مؤلفــات الكــاتب
رقصة سالومى الاخيرة

تاريخ الاصدار: 2004
الناشر: دار الشروق

عن اشجار الجميز وصوت المؤذن وعود الغاب ومفردات اخرى تدور قصص هذا الكتاب الشائق فنعرف ما الذى يربط بين فأر الحقل وشمس الشتاء البديعة ونرى يمكن للجواد ان يطير ولكاذا وكيف انقرضت الديناصورات وبماذا يشعر عود الغاب بعيدا عن ارضة حتى لو صار نايا باسلوبة الممتع ولغتة المرهفة يصحبنا الكاتب الكبير محمد سلماوى عبر تلك المجموعة القصصية فى تشويق بليغ وعذوبة جذابة ويزين صفحاتها الفنان النتالق وليد طاهر بلمسات فرشاته المعبرة.

نقد عن الكتاب
الصحف الأمريكية تشيد بعرض رقصة سالومي الأخيرة

أشادت صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية بعرض مسرحية "رقصة سالومي الأخيرة" للكاتب محمد سلماوي. قالت الصحيفة ان العرض يثبت أن في مصر تقليداً مسرحياً عريقاً يمتد إلى بدايات هذا القرن , وأن هذا العرض لم يكن من الممكن أن يكون بهذا المستوى إلا بسبب ما وراءه من تاريخ مسرحي طويل. وقال مراسل الصحيفة "جون ماك برايد " إن فكرة المسرحية مبتكرة لأن تلك هى أول مرة يحاول كاتب مسرحي أن يستكمل أحداث قصة سالومي المعروفة والتي شغلت الكثيرين من الكتاب في العالم. وصف المقال أداء سهير المرشدي بأنه يتسم بالكلاسيكية والحداثة في وقت واحد. كانت مسرحية "رقصة سالومي الأخيرة " قد استؤنف عرضها أول أمس بعد أن توقفت أسبوعاً لإصابة سهير المرشدي بنوبة برد حادة. كما تأجل تصوير المسرحية إلى الأسبوع الأخير من هذا الشهر بعد أن تم مد عرضها إلي نهاية الشهر الحالي لإقبال الجمهور. المسرحية بطولة أشرف عبد الغفور , وسامي عبد الحليم, وحسن العدل, إخراج هناء عبد الفتاح. جريدة الوفد 1999/8/9

انهيار الهيكل- محمد بركات

في المشهد الختامي من مسرحية "رقصة سالومي الأخيرة" تقف الملكة في صحن هيكل سليمان وهي ذاهلة. فهنا شاب ثائر استطاع أن يوقد جموع المظلومين نحو القصر من اجل الحرية والعدل. فلقد اقامت "سالومي" مملكتها علي بحيرة من الدم, ابتداء من اللحظة التي انتهت فيها من رقصتها الفاجرة امام الملك وتقاضت ثمنها رأس يوحن المعمدان, وانتهاء بحلول اللعنة وموت كل شئ في المملكة حت البحر. ويتقدم اصحاب الحق نحو تلك الملكة الزانية, رأس الأفعي. وهم لا يملكون الا الحجارة في ايديهم, انها سلاح هؤلاء الفقراء الذين يؤرقهم الشوق الي الحق. ومع اول حجر لرجم "سالومي" العاهرة تأخذ اعمدة الهيكل في التصدع والانهيار, في نبوءة فنية جميلة بأن كل ما أقامته اسرائيل علي بحر الدماء في فلسطين, مصيره الي زوال. ومع هذا المشهد الساحر من مشاهد المسرح المصري التي لا تنسي يبلغ انفعال المتفرجين في الصالة اقصاه, وتلتهب الأكف بالتصفيق, ويحقق الفن متعته العظيمة, وهو يحول التاريخ الي واقع حي, والصراع الي ابداع, والفن الي رؤية تستشرق حجب المستقبل,/وتنبئ بغد مفعم بالتفاؤل والجمال. ان مسرحية "رقصة سالومي الأخيرة" التي يقدمها البيت المسرحي العتيق, من خلال المسرح القومي, علي خشبة مسرح الأزبكية تعيد لنل شيئا من عطر الأيام الخوالي, حين كانت تدوي في جنبات هذا المسرح كلمات توفيق الحكيم, وعبد الرحمن الشرقاوي, والفريد فرج, وبقية هذا الرعيل العظيم من كتاب المسرح المصري, فهنا عرض مسرحي تتكامل فيه رؤية, وابداع المخرج, وتوهج الممثلين, في عمل من الأعمال القليلة التي يستحق بها ان يكون المسرح مسرحا بحق. وهذه المسرحية التي نشرها الكاتب تحت اسم "سالومي 2" هي الجزء الثاني من رؤية فنية بدأها سلماوي قبل عشر سنوات حين كتب مسرحية "سالومي" التي عرضت علي ضفاف النيل في عرض مدهش اخرجه فهمي الخولي ولعب بطولته رغدة ونور الدمرداش. وفي هذه المسرحية الأولي وقف محمد سلماوي امام الحادثة التاريخية التي شهدت يوحنا المعمدان, الذي كان يبشر بالحق والعدل وميلاد السيد المسيح, ويومها اعاد سلماوي تفسير هذه الحادثة التي جاءت مقتضبة جدا في كتب التاريخ وفي الكتب المقدسة علي السواء. كانت سالومي في المسرحية الأولي هي اسرائيل, وهي العنصرية والصهيونية, وهي كل ما يمكن ان ترمز اليه هذه الشخصية من دموية واخطاء اليهود. وكان الصراع كما صوره سلماوي يدور بين يوحنا المعمدان الذي جاء كبطل سابق يرمز لكل ما هو اصيل وشريف وعادل, وبين هذه العاهرة بكل ما تحمله من لؤم وخسة وفساد. كانت هذه المسرحية في كلمات عارية جسديا للصراع بين العنصرية والصهيونية, أو بين العربية واليهودية أو بين القومية بكل رحابتها وافقها الواسع العريض والفكرة الدينية العنصرية السياسية بكل ماتنطوي عليه من تزمت وانغلاق . وقد انتهي هذا كله بسقوط البطل وهزيمة عبد الناصر, ولكن الي حين .. نعم لقد قامت اسرائيل وانتصرت, ومات عبد الناصر ومشروعه الوطني, ولكن هذا كله لم يكن هو نهاية التاريخ. وهكذا ظلمت "سالومي" وجريمتها النكراء تشغل عقل وقلب محمد سلماوي منذ ذلك الوقت وربما قبله بسنوات, وكان السؤال الذي طرحه علي نفسه هو: تري .. ماذا حدث لهذه الأميرة اليهودية الفاجرة بعد ان قدم لها رأس يوحنا المعمدان علي صينية من الذهب .. كيف عاشت . وماذا فعلت هل استقر لها الأمر . هل شعرت بالسعادة . هل حقق لها قتل هذا الناصرى الشريف شيئا مما كانت تحلم به؟ إن كتب التاريخ لا تذكر كلمة واحدة عن شئ من كل هذا فلقد أهمل المؤرخون هذه الملعونة إهمالا تاما برغم فعلتها النكراء. وهنا تقدم سلماوى بخيال المؤلف ليجيب عن هذه الأسئلة كلها وليعيد ترتيب الوقائع والأحداث, إن لم يقم بإعادة تفسير التاريخ من جديد واستكمال احداثه من حيث وقف بها فى العمل الأول.وتلك هى الرؤية التى حاول الكاتب أن يقدمها لنا فى مسرحيته الجديدة "سالومى2" أو "رقصة سالومى الأخيرة" التى أكمل بها مسرحيته الأولى, وصنع بذلك ثنائية مسرحية جديدة بقدر ماهى جميلة فى مسرحنا المصرى ولا نعرف ما إذا كان سيمضى مع الشخصيات والأحداث التى أصبحت طيعة بين يديه ليقدم لنا مسرحية ثالثة, وليصبح بذلك ثلاثية مسرحية فى أدبنا العربى وكأنه يريد أن ينشئ "اورستيا" عربية علي نحو ما فعل كتاب الأغريق العظام فى التراجيديا اليونانية أم يتوقف عند هذا الحد؟على ان المهم الآن قبل كل هذا أو بعده هو الرؤية أو التفسير أوالمعنى الذى ذهب إليه سلماوى فى مسرحيته الجديدة المستلهمة بكاملها من خياله كمؤلف حيث لم يأخذ من التاريخ والأحداث سوى اسماء الأبطال بكل ما تنطوي عليه من دلالات وايحاءات بلا حدود.وعنده أن "سالومى" لم تهنأ يوما بجريمتها لا هى ولا أمها هيرودياس ولا الملك هيرود الذى رقصت امامه عارية لقد بدا لهل للحظة أنهار قد أقامت مملكتها واستتب لها الأمر بعد أن تخلصت من هذا "الناصرى الثائر" ولكنها كانت واهمة لأنها اكتشفت انها لم تحب رجلا سوى هذا الرجل الذى قتلته بل إنها اكتشفت بعد ذلك ما هو أفظع لها ولكل من حولها, هو أن روح هذا الشهيد ظلت تحلق فوق رؤوسهم طول الوقت بعد أن راحت الجموع تطالب بالثأر له والانتقام من قاتليه. لقد وجدت "سالومى" أن الأمم لا تقوم على الظلم بل على الحق وأن عرشا جاء فوق بحر من الدماء, لابد من أن يجلب معه اللعنة التى تهلك فى طريقها كل شئ. وهذا هو الذى حدث بالفعل جفت الأنهار, وماتت البحار, وسقطت الثمار, ولم يكن هذا هو كل الخراب الذى حدث, لأن ما هو أخطر من هذا هو أن روح الحياة قد جفت فى عروق البشر, ابتداء من البستانى الفقير الذى يبكى حظه على الجثة التى ماتت أمام عينيه، وانتهاء بسالومى نفسها التى كانت تنتظر حكم القدر عليها, بل لعل انتظارها له قد طال، ومروراً بالسحرة الذين حاولوا استعادة روح وجسد الحبيب المقتول بلا فائدة. لقد تجسدت روح يوحنا المعمدان الذى يرمز له فى المسرحية باسم الناصرى نسبة الى الناصرة فى كل فرد من افراد هذا الشعب الذى ذاق الظلم والطغيان على يدى هذه العاهرة. ثم تجسدت روح الشعب بعد ذلك فى هذا الفتى، الثائر الذى يقود جموع الراحل الذى لم يرحل، والغائب الذى لم يغب، ... ولعل حوال المشهد الاخير –برغم ما فيه من تقريرية وخطابية عالية- أن يوضح هذا المعنى بالضبط. سالومى: حيث يمر من هنا الناس بعد قرون لن يجدوا إلا أطلالا... سيقولون هنا كانت مملكة سالومى. الثائر: سيقولون هنا كان الظلم والطغيان، هنا كان الفسق والفساد، هنا كانت العبودية والاستبداد، ان حكمكم للبلاد لن يكون اكثر من فصل واحد فى تاريخنا المجيد وسيتلوه فصل آخر، حيث يكون العالم قد وعى الدرس بأنه لايمكن لحكم ان يقوم على الدم. سيعود أبناء هذا البلد أحراراً يصنعون مجداً جديداً يقوم على المساواة والعدل، على البناء والعمل، على الرخاء والحق. وهذا الحوار على ما فيه من مباشرة هو الذى يصل إلى عقل وقلب المشاهدين فى هذا الموقف المسرحى الجميل الذى لا يلبث ان يتصاعد بسرعة حين يتقدم الفقراء والمحرومون والباحثون عن العدل ليرجموا هذه الزانية التى انتهكت كل الحرمات. ويجسد مشهد الرجم هذا ذروة هذا العمل الجميل؟، لأن الحجارة التى استخدمها أنصار هذا السائر لم تقض على سالومى فقط ولكنها ارهصت بالقضاء على هذه المملكة التى قامت على بحر من الدماء, وتجسد هذا الانهيار فى اهتزاز اعمدة المعبد، وبدء سقوطها دلالة ورمزاً على قرب انهيار الهيكل نفسه.. هيكل سليمان المزعوم الذى تتخذه اسرائيل المزعومة ايضا رمزا ومعنى. ان محمد سلماوى يصل فى هذه المسرحية الى قمة ابداعه الفنى، لانه يعيد تفسير التاريخ، ويقدم واقعا فنياً يكاد يعادل الوقائع التاريخية، ويرسم من خلال سالومى شخصية درامية فذة تطاول البطولات النسائية فى تاريخ الادب العالمى من الكترا وفيدرا، ومن هيدا جابلر الى القديسة جون. ثم بعد ذلك او قبله يقف هذا الموقف الفكرى الشريف الذى يرفض الظلم والعدوان كما تجسده اسرائيل، ويتبنى قضية النضال من أجل إسقاط هذه الدولة التى تقوم على فكرة عنصرية متخلفة ضد التاريخ، وضد الجغرافيا، وضد الحياة نفسها. وقد كان من حظ هذه المسرحية ان قام على اخراجها فنان بحق من هذا النوع المتصوف فى محراب المسرح وهو هناء عبد الفتاح الذى تربى بين جدران المسرح القومى منذ أكثر من ثلث قرن. ويعجبنى فى هذا المخرج وأمثاله أنهم يضعون مواهبهم فى خدمة النص، وهذا الطراز من المخرجين انقرض من المسرح المصرى الذى يعانى من غرور انصاف الموهوبين من "مؤلفى العروض المسرحية الذين يريدون تأكيد ذواتهم المريضة على حساب المؤلف والنص والعرض جميعا لقد قدم هناء عبد الفتاح مسرحية سالومى بكل ما تحمله من أمانة وجمال واستطاع ان يقود عشرات الممثلين والممثلات ويسيطر على حركة المجاميع ويحشد معه وإلى جواره فنانة مبدعة هى مهندسة الديكور سكينة محمد على وفنانا لا يقل ابداعا هو الموسيقى الموهوب راجح داود وفى هذا الاطار القديم قدم عرضا بديعا يصل بكلمة المؤلف إلى قلب وعقل المشاهد وبلغ قمة إبداعه فى مشهد النهاية العظيم الذى يجسد ثورة الحجارة وفكر المقاومة الشعبية الكفيلة وحدها بالقضاء على الحكم الصهيونى, أو الوهم الإسرائيلى المزعوم. وفى المسرحية بعد ذلك تتألق سهير المرشدى فى دور تحلم به أية ممثلة والحق أنها كانت على مستوى هذه الشخصية العظيمة فقدمتها بكل ما تملك من ابداع وجمال.. أما الفنان العريق عبد المنعم مدبولى فكان ساحرا فى أدائها شخصية الملك المجنون هيرود ولست أعرف كيف اهتدى هناء عبد الفتاح الى مدبولى ليقدم به ومن خلاله هذا الدور العجيب الذى لم يعبه أحيانا سوى صوت الملقن .. وإلى جوار هذين العملاقين يعاد اكتشاف يوسف داود وتتفجر مواهب حسن العدل وعلاء قوقه ومحمود البنا وعاصم رأفت وآخرين من هذا الفريق المدهش الجميل. وبعد .. لقد كنت أشاهد وزوجتى مسرحية "رقصة سالومى الأخيرة" ولم أكن اصدق أن احدا يمكن أن يذهب إلى المسرح من أجل عمل جاد باللغة العربية يستلهم التاريخ والأسطورة ويتعرض لفكرة الصراع العربى الإسرائيلى ولكنى فوجئت بالمشاهدين وهم يعيشون كل لحظة من لحظات العرض وكأن على رؤوسهم الطير حتى إذا كان مشهد النهاية الذى تسقط فيه "سالومى" صرعى تحت أحجار الثائرين ويتهاوى فيها هيكل سليمان فوجئت بزوجتى الطيبة هذه وهى تمسح دمعة سقطت من عينيها وسمعتها وهى تهتف من قلبها بصوت خفيض بكلمة "يارب"..وكأنها تريد أن ترى هذا الحلم الفنى الذى يتجسد على المسرح وهو يتحول إلى حقيقة فوق أرض الواقع! محمد بركات مجلة: كلام الناس

الشعر اكذبة - احمد عبدالحميد

أرجو الا يفسد "النقد" للود قضية .. فأنا اعتز كثيرا بصداقة الكاتب, اللامع محمد سلماوى, وفكره السياسى, ونبله الإنسانى.. كما اعتز بمسرحه الجديد الكنير والجذاب. والذى يتأمل مسرحياته الست .. ابتداء من "فوت علينا بكرة" و"اللى بعده)" عام84. (ثم "القاتل خارج السجن" و " اتنين تحت الأرض" , حتى الجزء الأول من "سالومى" (88) ثم"الجنزير "(96) و"رقصة سالومى الأخيرة" التى تعرض حاليا بمسرحنا القومى .. يجد أنه متجدد دائما, لم يكرر نفسه شكلا ومضمونا, كما يلمس أنه فعل فى "المسرح السياسى" مافعله عبد الحليم حافظ فى "الأغنية الوطنية" التى أصبحت على يديه أغانى عاطفية شديدة العذوبة والجاذبية .. كذلك فعل سلماوى فى نصوص مسرحياته السياسية, فجاءت فياضة بالإنسانية, موشاة بكوميديا ساخرة عميقة راقية بعيدة عن الفجاجة والخشونة المباشرة.. ثم هو المؤلف الذى يحسده كل المؤلفين, وكل أجهزة الدعاية, لأنه الوحيد القادر على حشد- ولا أقول اجتذاب فحسب - جمهور عريض لمسرحياته, حتى فى أسوأ الأوقات وأكثرها كسادا, كما هو حادث الآن, وتعانى منه كل المسارح, ولا أقول بعضها. المسرح والتاريخ وقبل ان ندخل إلى النقد التطبيقى, هناك قضية, أشبه بالقنابل الموقوتة. تنفجر مع كل عمل درامى تاريخى.. إذ تجد هناك من يتهم المؤلف بتزييف التاريخ والعبث .. مع أنها قضية مغلوطة من أساسها .. فالتاريخ فى المسرح ليس تاريخا وإنما فلسفة, والزمن ليس مع الماضى وإنما الحاضر, والوقائع ليست تسجيلا وثائقيا وإنما هى إعادة تصور وتصوير وتفسير .. والذين يريدون التعرف على "التاريخ" بحذافيره يخطئون العنوان بالذهاب إلى المسرح .. أو هم يقصدون نوعا آخر من المسرحيات تسمى "المسرحية الاخبارية" .. تلتزم بكل دقة بالتاريخ وتتقيد به, وهى نوع من "المسرحية" على غرار "مسرحية المناهج" بالمدارس.. وهذا النوع يقدم فى الغالب فى المناسبات العامة والقومية وهى الحفلات المدرسية. ورغم أن "رقصة سالومى الأخيرة" لا "إخبارية" ولا "تاريخية", بخلاف مسرحيته الأولى عن "سالومى" عام 88 التاريخية .. ورغم أن المؤلف ذكر ذلك صراحة فى مقدمة المنشور عام 94¡ بل وفى صلب المسرحية¡ على لسان الملك السابق المخلوع "هيرود" الذى رقصت "سالومى" أمامه عارية ثمنا لرأس "يوحنا المعمدان".. أو الناصرى الثائر على العهر والفساد والظلم.. يقول "هيرود" (لم يأت لسالومى ولا لأمها ذكر فى أى الكتب القديمة بعدما فعلوه بالناصرى.. وكأن التاريخ أراد معاقبتها بالتجاهل والنسيان.( ثم يضيف لتفسير ما شاهده أنه (اضغات احلام من خيال الكتاب) وهى مجرد (أدوارد يلعبونها) و (كله تمثيل فى تمثيل).. رغم كل هذه التوضيحات والتأكيدات لن يتركه النقاد فى حاله .. سوف يتساءلون. إذا كانت المسألة تأليفا فى تأليف ولا علاقة لها بالتاريخ .. فلماذا الإطار المادى والتاريخى من ازياء ومناظر .. ولماذا الشخصيات التاريخية بأسمائها وماضيها. أليس هذا محاولة لاضفاء الشكل التاريخى على المسرحية¡ وأكسابها مصداقية التاريخ الواقعى.. والايهام بأن ما نشاهده.. "تاريخ ما أهمية التاريخ"؟ هل تصنف على أنها مسرحية معاصرة أم تاريخية؟! يعزز الاحتمال الثانى أن المسرحية ليس فانتازيا خيالية.. وإنما هى "واقعية" رغم أنها لم تحدث فعلا. إلا أنها محتملة الوقوع وقابلة للتصديق¡ وبالتاى تصبح حسب مواصفات أرسطو - أبو الدراما - مسرحية واقعية .. أنها جوانب جديدة لقضية المسرح والتاريخ. هل هناك قضية؟! لا شك أن النجاح الساحق للجزء الأول”سالومى)”عام88( الفصل الأول والأكبر مما حفز المؤلف على كتابة “جزء ثان” كان عرضا اسطوريا مثيرا أمام مقياس الروضة بقصر المانسترلى على ضفاف النيل¡ سبقته جولة نيلية ليلية ساحرة وعشاء فاخر خمس نجوم بباخرة د. عادل حسنى .. وكانت سينوجرافيا العرض وإخراجه البديع للفنان فهمى الخولى. وتألف نور الدمرداش فى دور ملك اللذات”هيرود” الذى اشتهى ابنه زوجته جميلة جميلات زمانه “سالومى” .. التى لعبت دورها باقتداء رغدة¡ وكانت وقتها – عام 88 – فى قمة فتنتها ولعبت الدور وكأنها خلقت له ثم كانت رقصتها المثيرة التى غيرت التاريخ.. لكن الأخطر أن المسرحية كانت تحمل مضمونا قويا وثريا وموحيا.. فضلا عن أن التاريخ عصمها من الزلل. لذلك كانت من أهم عروض 88. وربما كانت لزيارة “سلماوى” لأطلال قصر “هيرود” على بعد 50 كيلو متر من عمان – وقد كنت معه فى هذه الزيارة فى صيف 89 أثناء عرض "سالومى" بمهرجان "جرش" .. أقول ربما كانت للزيارة أثر فى تأليف الجزء الثانى .. "رقصة سالومى الأخيرة". لقد وقفنا بين الأطلال¡ فى قصر هيرود. على جبل المشنقة.. حولنا الخراب وعظة التاريخ¡ وتحت أقدامنا مياه البحر الميت (حتى البحر يموت) .. وعلى مرمى البصر.. العدو الإسرائيلى.. وأغلب الظن أن رمى العاهرة "سالومى" بالحجارة.. والربط بين أطفال الحجارة ورجم الثوار لسالومى بالحجارة.. وليد تداعيات وانطباعات هذا المشهد البانورامى المأسوى - التبشيرى المحفور بالذاكرة. صميم المعالجة الدرامية لندخل فى صميم المعاجة الدرامية للجزء الثانى .. "رقصة سالومى الأخيرة" ما الموضوع؟ ما هى فكرتها الأساسية هل هى “من قتل يقتل ولو بعد حين”.. لو كانت كذلك لكانت مسرحية أخلاقية ذات فكرة مستهلكة .. قديمة .. هل هى مسرحية دينية تعاقب الزانيات بالرجم كما جاء فى ختام المسرحية على لسان زوجة البستانى والقابلة (الداية)أم سراج؟.. ! أبدا !! الحدث الدرامى كله عن امرأة تتحدث طوال المسرحية عن "الحب" وعن "الحبيب" الغائب الحاضر.. "الناصرى".. محرر العبيد الداعى للقضاء على الفساد امرأة تتحدث طوال المسرحية عن "الحب" وعن "الحبيب" الغائب الحاضر.. "الناصرى" .. محرر العبيد الداعى للقضاء على الفساد والظلم . الداعى للعدل والطهارة .. ربما !! لكن هذا الخط فى المعالجة الدرامية ثانوى .. عقدة ثانوية واعتماد هذا التفسير كموضوع رئيسى . تعسف وافتنات .. لأننا لم نشاهد وقائع ومظاهر للظلم تكفى لتكون دوافع درامية قوية تستحق الثورة.. هل هى "سيكودراكما" تحاول تعرية النفوس واستظهار خفاياها وعقدها النفسية: هواجسها¡ دوافعها السلوكية¡ أعماقها الفكرية والعاطفية.. احتمال أخير¡ أن المؤلف قصد ذلك أساسا.. لكن للأسف سوف نصطدم بالكثير من التناقض والاضطراب فى رسم الشخصية المحورية الرئيسية .. شخصية "سالومى" .. فهى حاكمة مستبدة ظالمة. لم تزل دموية¡ تسقى السم بيديها للأبرياء المحبين لها¡ وهى نادمة معذبة. تقبل الإهانات الوقحة من "الثائر"وتتركه يخرج فى سلام بل هى متعاطفة مع الثورة التى تريد أن تطيح بعرشها وملكها (؟!!) وعلى حد علمى .. لم اسمع فى تواريخ الملوك والحكام أن هناك واحد منهم اغتصب العرش والحكم ثم ندم بعد ذلك أو زهد فيه .. إن هذا الاضطراب انعكس على المعالجة الدرامية برمتها .. وأدى إلى الكثير من التأثيرات بالمسرحية الشكسبرية وبخاصة "ما كبث" وبدرجة أقل "الملك لير" و "انطونيو وكليو باترا" والي الكثير من الثرثرة غير الدراسية التي امتلأت بها المونولوجات المطولة, وقطع "المناجاة" .. التي تكرر ذات المعاني حتي بدأـ "سالومي"كا مرأة تتوجع من حمل كاذب .. وللأسف الحمل الكاذب يقود الي المسرح الكاذب .. ويصيب الدراما في مقتل. ومع ذلك فالعرض جميل .. ليس لأن أعذب الشعر أكذبه, ولكن لأن هناك حسنات كثيرة أيضا في "النص" وفي " العرض" وهي موضوع حديثنا .. الأحد القادم. احمد عبد الحميد جريدة الجمهورية 2/5/1999

رقصة سالومى على المسرح القومى - الفريد فرج

مفاجأة آخر الموسم مسرحية "سالومى2" للكاتب القدير محمد سلماوى وهى مفاجأة سارة بإعادتها اللغة الفصحى إلى شاعريتها المسرحية¡ وبإعادتها إلى الأجواء التاريخية الشرقية الساحرة .. وبإعادتها الأطروحة السياسية والفكرية إلى المسرح فى إطارها الجمالى المثير.. وبإعادتها المسرحية الصحيحة بنجاح فنى ارتفع شباك التذاكر ليسجل إقبال الجمهور فى الموسم المسرحى الذى تثقله امتحانات الطلبة. ومسرحية القومى المعروضة حاليا بنجاح كبير هى الجزء الثانى لمسرحية الكاتب محمد سلماوى المبكرة "سالومى 1" التى قدمها مسرح المانسترلى بالروضة منذ سنوات ببطولة رغدة ونور الدمرداش. وسالومى الأولى مستوحاة من القصة الدينية والشعبية التى تروى أن سالومى الفاتنة رقصت فى حفل الملك الرومانى "هيرود" ملك الجليل¡ وهو زوج امها¡ رقصة خلبت لبه وألباب ضيوفه فوعدها بتلبية أى طلب تطلبه منه .. فأوعزت أمها لها أن تطلب على طبق رأس القديس يوحنا المعمدان¡ الذى كان فى السجن بعد أن سب امرأه هيرود واتهمها فى سلوكها .. وقد امتعض الملك هيرود من طلب سالومى ولكنه وفى بوعده¡ وقدم لها الرأس كما طلبته(!). وكانفى هذه القصة ما ألهم رسامى عصر النهضة بتصوير سالومى وهى ترقص رقصتها المثيرة كما كان فى القصة ما أغرى الكاتب الأنجليزى الإيرلندى "اوسكار وايلد” (1854-1900) أن يكتب مسرحية ذات فصل واحد صور فيها الملك هيرود الحسى يشتهى ابنة زوجته سالومى¡ بينما الغانية تشتهى وصال القديس الذى امتنع عليها.. وقد اشتهرت مسرحية أوسكار وايلد وعرضها على أشهر ممثلات المسرح النجمة العالمية الفرنسية "سارة برنار" (1844-1923) ولكن سبقتها إلى تمثيل الدور فى باريس النجمة "لونى بو" وكان اوسكار وايلد من دعاة "الفن للفن". وقد أضفى على مسرحيته إشارات رمزية واحتفالية¡ لتصبح صورة متأججة للغواية والجمال المدمر وقد التقط المسرحية المؤلف الموسيى الشهير "ريتشارد شتراوس" (1864-1949) فألف منها أوبرا من فصل واحد سنة 1905ترتكز على رقصة سالومى بأقنعة سبع تطرحها الواحد بعد الآخر لتفتن الملك (!) ولكن كاتبنا المبدع محمد سلماوى فى مسرحيته "سالومى الأولى" أطل على القصة من زاوية نظر جديدة¡ فقدم شخصية "الناصرى" (القديس) خارج الجن يندد بالفساد مما أغضب الملكة "هيرودياس" أم سالومى منه لتهجمه عليها¡ كما صور كاتبنا المصرى مصرع "الناصرى" ضحية الفساد¡ وصور لنا حياة رسالته فى تلاميذه ومريديه بعد مصرعه التراجيدى. وكانت مسرحية سلماوى نداء لدفع الفساد الاجتماعى¡ ودعوة للطهارة والشفافية¡ ورؤيا عميقة لمخاطر التهاون الخلقى فى بداية الانفتاح الاقتصادى بمصر. وبرغم نجاح "سالومى 1"بقى شئ من صورة وحكاية الغانية الجميلة فى نفس الشاعر المصرى المسرحى "محمد سلماوى" فكتب يقدم مسرحيته الثانية "سالومى 2" "فى صيف عام 1989حين اختيرت مسرحية سالومى الأولى لتكثيل مصر فى مهرجان جرش الدولى بالأردن¡ دعانى الصديق أكرم مصاروة رئيس المهرجان لزيارة موقع يبعد عن عمان بحوالى خمسين كيلو مترا وهو المكان الذى شهد أحداث قصة سالومى حوالى الفى عام". "وهناك على قمة ما أصبح يطلق عليه أهل المنطقة جبل المشنقة .. لم لم أجد للملكة هيرود الباذخة إثراء (!) "لم أجد الخضرة اليانعة التى قالت الأشعار إنها تعلو على قامة الأنسان" "لم يكن هناك تفاح ولا عنب ولا رمان" "ومكان الأسواق كانت هناك ارض خراب" .. "ونظرت من فوق الجبل إلى الأفق البعيد فرأيت البحر .. البحر الميت" (!) وقد ألهمت الصورة الكاتب بما لم تلهم به اوسكار وايلد أو ريتشارد ستراوس أو غيرهما¡ حيث أنه هو من بين هؤلاء الفنانين من رأى مملكة هيرود خرابا مات فيه الزرع¡ ومات فيما وراءها البحر. فمسرحية "سالومى 2" هى الجزء الثانى لمسرحية "سالومى" الأولى .. وقد ألفنا فى المسرح والقصة "الثلاثيات" ومحمد سلماوى يقدم لنا "الثنائية" تكتمل أولاها بثانيتها .. فإن كانت المسرحية الأولى هى تراجيديا "جريمة" مصرع الناصرى¡ فالثانية هى تراجيديا "العقاب" وحلول اللعنة على مملكة"هيرود" .. وفى اضاءة قوية يكشف المؤلف فى مسرحيته الأولى العلاقة المتناقضة والحميمة مع ذلك بين الحب والأنتقام(!) .. حب سالومى للناصرى وانتقامها من صده لها. ثم يكشف فى مسرحيته الثانية العلاقة الحميمة والمتناقضة بين الحب المستحيل وبين حب سالومى لضحيتها وحلمها بعودته.. وبين الجدب وخراب الأرض وموت الزرع بلا عودة (!) وتتجاوز مسرحية "سالومى 2" القصة القديمة لتتخيل ما حدث بعدها فيروى الكاتب أن انصياع الملك هيرود للفاتنة "سالومى" ونزوله عند رغبتها واجابة طلبها الخطير .. قد جعل لها الكلمة العليا¡ بحيث استطاعت أن تغتصب العرش وتحبس هيرود فى غرفته¡ وتتنكر لأمها وتستبد بشعبها الذى يعانى من اللعنة التى حلت بالبلاد بسبب جريمتها. أما القديس "الناصرى" فإنه لم يمت¡ وهو حى بثورة مريديه المتفجرة ضد الملكة سالومى. و"سالومى" تحلم بعودة حبيبها وقتيلها "الناصرى" وتستعين بالسحر¡ وتبحث عن حبيبها بين أنصاره ومريديه¡ وتتمثل لها صورته كلما اخلت بنفسها. أما "هيرود" الملك المعزول فهو يعانى من الوحدة والإحباط ويشكو الزمان ويسأل الأيام (!) والبلاد يصيبها الحر والجدب¡ وقد حلت عليها اللعنة التى لن تزول إلا بأن يعادل العقاب الجريمة والملكة سالومى تعرف مصيرها والثوار يرجمونها بالحجارة فتتزين للموت على رجاء أن تلتقى بعد الحياة بحبيبها وقتيلها فى أبهى زينة .. كما يجب أن يلتقى العشاق. ولكن هذا ليس إلا الهيكل الفكرى لمسرحية محمد سلماوى¡ وسبلويت السياق القصصى لعمل أدبى غنى .. يتمثل ثراؤه فيما أضفاه الكاتب على المسرحية وحكايتها الشعبية القديمة من تأثيرات أثرية من اللغة القديمة أضاءها باقتباس من لغة نشيد الإنشاد والدب الفرعونى كما ترجمه العالم المصرى سليم حسن¡ وأطربتنا بهذه اللغة الشاعرية الجميلة "سالومى سهير المرشدى" بصوتها الصافى ومنطقها العذب: اسمع اليها تقول: "ها هو القمر قد عاد من جديد¡ ولكن حبيبى لم يعد(!) ".. ارتجفت الأرض وما عليها وارتعدت أعمدة المعابد من شوقى¡ لكن حبيبى لم يعد.." ثم تصرخ فى حزن ويأس: "ابك معى ياأمى فى انتظار اكتمال البلاء ودعى قلبك يتمزق حتى يبلى .. أبك المملكة التى سيحل بها الليل وتجد فيها الظلمات مستقرا ابديا .." لغة تحمل تعبيرية وجمالا فى الصياغة وبلاغة مسرحية عالية. و"سالومى" العاشقة وقاتلة حبيبها¡ تتمتع بجمال تناقلته الحكايات والاساطير¡ وتصف وصيفاتها جمالها بأرق العبارات. "عيناك حمامتان ترفرفان فى النسيم .. وشعرك قطيع من عنزات فوق جبل لبنان¡ أسنانك لآلئ¡ فضية خرجت لتوها من أعماق البحر¡ وشفتاك خيط قرمزى وفمك كوب سحرى.." باللغة الأثرية وبلاغتها التعبيرية والعبارات المشرقة أراد المؤلف أن تكون للغة تأثير جمال قوى وأثرى فى هذه الحكاية ذات البعد التاريخى والطابع الاثرى الذى عمد الكاتب محمد سلماوى إلى نسيج مسرحيته بخيوطه يدعو يدعو القارئ و المشاهد أن يتعامل مع المسرحية كما يتعامل مع الحكايات الشعبية ومع الامثولة القديمة ¡ بالحرص على استنباط حكمتها الشرقية ومغزاها المعاصر.. إننا فى مسرحية "سالومى" محمد سلماوى نشعر بأننا هنا فى الواقع ونشعر أحيانا أننا بفعل السحر الأدبى والسحر الفنى نزور المدائن الأثرية البديعة ونرقب أحداثها ولكننا لا يغيب عنا الاحساس بالحضور فى زماننا وفى مكاننا¡ وأننا نواجه أيامنا وتواجهنا وقائعها. فما أغرب الفن الجميل وتأثيراته وايحاءاته ببدائع الغياب وقوة الحضور (!) وربما نكتشف أيضا أن من أسرار هذه المسرحية تواصلها باللمسات المختارة مع اجواء المسرح العالمى والخبرة العالمية التاريخية وترتيب تداعيات المشاهد لتماس تنوير القصة فى اجواء يذكرنا فيها الملك "هيرود" المعزول بمصير الملك "لير." والساحرة "قادش" بساحرات "ماكبث" وانتظار عودة الحبيب الي الحياة بآداب البرديات الفرعونية, ومقاومة الأستبداد بالحجارة بما يجري في فلسطين المعاصرة, ومصرع "سالومي" في كامل زينتها بمصرع كيلوباترا علي عرشها ويذكرنا حديث الجدب والرخاء بأشواق الشعوب الناهضة التي لا تملك مع العزيمة الا الاعتراض علي الظلم والبحث عن العدالة. وكل هذه اللمسات والمؤثرات في الظاهر والباطن للسياق الجذاب والمشوق للمسرحية هي عناصر الجاذبية فيها..الا ان الكاتب عمد تنوير فكرة قتل سالومي للناصري بسبب حبها له وصده لها بمقابل موضوعي هي تطوع عاشقها المتيم ابن القابلة بتناول السم من يده برهانا لحبه, ورغبة في الفناء بين ذراعيها, بينما عمدت هي الي قتله بالسم.. لينهض حبيبها الناصري من جسد العاشق الهالك بالحب.. برقي السحر وتعاويذ السحرة . فالمسرحية لها ظاهر سياسي كما لها باطن فلسفي وفكري, وبها بيانات وتقارير رمزية واشارات شاعرية وتفاصيل في السياق وفولكورية, تمس الذاكرة القومية وتتداعي بها المعاني في الذاكرة التاريخية للفرد والجماعة. ولها حكمة بسيطة بساطة الحكمة الشعبية تقول هيرودياس أم الملكة سالومي تنادي مملكتها الهاوية: -"أيا أم البلاد, يا من كنت موطن الثروة العظيمة.. كيف .. قضي عليك؟ كيف سقطت يا زهرة شباب المدن وكيف اندحرت؟" (!) فأجابها الوزير لاشين: -"بالتدريج يا مولاتي .. بالتدريج" (!) فأي حكمة بسيطة أبلغ من هذه الحكمة, حيث يتوهم الناس عادة أن المدن لا تسقط الا بالعنف والغزو والاجتياح, بينما تسقط المدن احيانا بالتدريج .. وهي دعوة لليقظة والانتباه والحذر والتصدي للمشكلات الصغيرة حتي لاتتفاقم. ويستحق العرض المسرحي مني حديث آخر , ولكن بقيت في الحديث عن النص المسرحي الممتاز.. وهي أن النص المسرحي الممتاز رصيد يضاف الي ارصدة اللايبرتوار المسرحي والمكتبة المسرحية وفنون الاخراج والتمثيل والأطر المسرحي. النص المسرحي الجيد والممتاز هو رصيد للحاضر والمستقبل فربما ينتجه المسرح اليوم ويعيد انتاجه انتاجه بعد سنوات, ولعله بعد عشرة اجيال أو أكثر يتكرر حضوره علي المسرح ويقدمه الفنانون, بأسلوب جديد وفي سياق تيار جديد للفن (دون المساس بالنص من فضلك) بمنهج ومذهب جديدين في الفن لا يعلمه الآن أحد .. وذلك كما قدم شكسبير مسرحياته بأسلوبه الذي طور به الكلاسيكية, ثم قدمه فنانو الرومانسية في القرن التاسع عشر, ثم قدمه الفنانون في سياق الواقعية وباحكام ضوابطها ثم انتجوا مسرحيات الكاتب الكبير في العصر الحالي في اطار تعبيري وفي الديكور المتحرك.. وبالملابس العصرية وبالملابس التاريخية, وبالملابس الخيالية.. وقدموا رميو وجوليت كحكاية حب قضي علي كراهية اسرتين متعاديتين, وقدموها كحكاية الكراهية بين الاسرتين, وهي الكراهية التي أدت الي مصرع العاشقين.. الخ. وما أردت بهذا المثال أن أتنبأ لأي من ريبرتوار المسرح المصري أو المسرح العربي وأي من نصوصه أنها ستعبر الزمن جيلا بعد جيل .. فهذا سر لن يعرفه الا المشاهدون المسرحيون في كل جيل .. ولكن أردت فقط ان يعتز مسرحنا وقيادته المحترمة بالأدب المسرحي والتراث المسرحي وذخائر وروائع المسرح المصري منذ أول هذا القرن .. وذلك فتح ابواب الدواليب في المكتبة المسرحية وتهويتها بدل سجنها في الهواء الراكد لخزائن الكتب المغلقة وباختيار بعضها للانتاج, وبالكشف عنها في اضواء المسرح .. كما تفعل مسارح الدنيا التي تعرض الروائع القومية والعالمية من العصر الاغريقي الي العصر الحديث. وشكرا للمؤلف الكبير محمد سلماوي هديته الرائعة للمسرح المصري يضيفها الي ابداعه السابق: "سالومي 1" و "اثنين تحت الأرض" و " القاتل خارج السجن" و "الجنزير". الفريد فرج

سالومى . بين الماضى وإسقاطات الحاضر - حسن شاه!

أجمل ما فى المسرحية الجديدة للكاتب المسرحى محمد سلماوى هو تلك المعانى التى تتضمنها والتى تمنح المتفرج الامل فى أن العدل لابد أن يتحقق .. وأن حقوق الشعوب لا يمكن أن تضيع. إن (رقصة سالومى الأخيرة) هى إسقاط مسرحى قوى وتعبير شاعرى يملأ القلب بالتفاؤل عبر به المؤلف عن حلم شعوب المنطقة أن يتحقق لهم العدل, وأن تسقط دولة الظلم التى تجثم فوق صدورهم منذ نصف قرن كما سقطت دولة سالومى فى المسرحية. إن المؤلف الذى استحوذت سالومى على خياله فألف عن أسطورتها مسرحية منذ عشر سنوات (1988) يعود فتحتل سالومى فكره من جديد فيكتب عنها مسرحيته الخيالية التى يعرضها المسرح القومى. وإذا كان المؤلف قد التزم فى المسرحية الأولى بما صورته اساطير الاولين عن الاميرة سالومى التى تمكنت عن طريق جمالها المثير أن تدفع الملك هيرود زوج أمها إلى أن يقدم لها رأس النبى يوحنا المعمدان على طبق من فضة بعد, أن رقصت له عارية, فإنه لا يلتزم فى المسرحية الثانية إلا بخياله .. وبذلك السؤال الذى طرحه .. ترى ماذا حدث لسالومى بعد ان ارتكبت جريمتها النكراء؟. أن المؤلف يعرض لنا من خلال أحداث مسرحيته الثانية ذلك الحلم الانسانى بأن الشر لابد أن يحيق بآهله .. وبأن الشعوب لابد أن تنتصر على ظالميها.. وأن العقاب غالبا ما ينبع من أعماق نفس مرتكب الجريمة. فهذه هى "سالومى" وقد تحقق لها هدف قتل النبى الطاهر (يحيى)الذى كان يدور فى الأسواق معلنا ارتكاب أمها هيرودياس للفاحشة .. هذه هى بعد أن اغتصبت العرش من زوج امها واصبحت هى الملكة الحاكمة الآمرة الناهية.. هذه هى (سالومى) يعاقبها القدر عندما تكتشف أنها إنما ارتكبت جريمتها فى حق نفسها وحق شعبها قبل أن ترتكبها فى حق يوحنا المعمدان.. فاللعنة قد حاقت بها وبالبلاد .. فقد جفت الثمار.. واقفرت الأرض .. ومات كل شئ حتى البحر الذى تحول من الزرقة إلى السواد .. ونضبت أعماقها هى الأخرى بعد أن اكتشفت أن الرجل الذى تسببت فى قتله هو الرجل الوحيد الذى أحبته وسوف تحبه حتى الموت. وتعانى (سالومى) من لعنة قتل النبى الحبيب, فيستغرقها العذاب فتعيش أوهام إمكانية أن يعود اليها القتيل ولو لساعة واحدة.. وتحاول تحقيق رغبتها الحارقة عن طريق السحر والشعوذة والقتل لكن الحبيب لا يعود.. فتصبح ولا هدف لها الا ان تلحق به, فهى لا تجد سببا واحدا للحياة ولان تعقد مجلس الحكم أو لأن ترعى شئون الشعب .. وتتصاعد تهويمات سالومى ويكون المردود الوحيد أن يثور الشعب ويشترك الناس جميعا فى رجمها بالحجارة حتى الموت. هذه الاحداث التى صورها محمد سلماوى على انها وقعت فى مملكة سالومى على ارض فلسطين منذ الفى عام تمنحنا الأمل فى أن يحتشد اصحاب الحق الحاليون ويستعيدوا الارض والحق من الاحفاد المعاصرين لقتلة الانبياء. النص المسرحى الذى كتبه المؤلف بحرفية وشاعرية وذكاء تحول على يد المخرج هناء عبد الفتاح إلى قصيدة شعر تستقدم من الماضى البعيد اسطورة يمكن اسقاطها على الحاضر. وقد استخدم المخرج كل ادواته المسرحية من ديكور وموسيقى ومؤثرات واستعراض بمهارة. بطلة العرض سهير المرشدى)سالومى(ممثلة قادرة دون شك, لكنها كانت فى حاجة من أجل أن تجسد دور سالومى إلى أمرين.. الأول إنقاص وزنها كثيرا.. فالسالومى ترتبط فى الازهان بانها راقصة أشبه بالفراشة.. والأمر الثانى.. ارتداء ملابس لائقة بالدور .. لا أن ترتدى مجموعة من الملابس القديمة التى لا علاقة لها بالمراجع التاريخية أو بمستوى أقل الملكات شأنا.. فما بالكم بالاميرة رائعة الحسن والجمال والاناقة... سالومى؟!! حسن شاه

سالومي .. الملكة التى لم تسبح عارية فى النهر - الدكتور احمد سخسوخ

لم تكن ملكة¡ ولكنها كانت أميرة لعوب¡ ابنة لملكة ولزوج أم يعمل ملكاً .. رقصت عارية فى التاريخ منذ ألفى عام فى قصر الحاكم بالضفة الغربية لنهر الأردن الذى يقع على البحر الميت¡ وهنا فعلت فعلتها وطلبت رأس الذى كان رسولاً يهيم فى البرية ويقتات بالجراد والعسل يبشر بالنبى القادم ويهاجم العرش القائم على الزنى .. بعدها ماتت الأميرة واختفت من الحياة والأناجيل وكتب التاريخ ولكنها عادت ثانية بعد ما يقرب من ألفى عام فى أشعار مالارامية¡ وموسيقا ماسينيه وريتشارد شتراوس الأوبرالية وروايات جوستاف فلوبير وهيرمان سودرمان. قد رسمها الإيطالى كارافادجو حيث وضعت لوحته فى إحدى كاتدرائيات مالطة¡ وظهرت على خشبة مسرح مدينة درسدن بألمانيا للكاتب الايرلندى أوسكار وايلد¡ كما ظهرت على مسرح مقياس النيل عام 1988 للكاتب المصرى محمد سلماوى.. وكاتب ريتاهيوارث أشهر من قدمتها على شاشة السينما الأمريكية. و الآن تعود لنا بعد أن هزمها الزمن والتاريخ على المسرح القومي. تعود ملكة بعد أن اغتصبت العرش هي والأم من الملك الذي جن وأودع السجن تعود سالومى وهى تستحم بغير ملابسها في البانيو بعد.. أن فقدت القدرة على السباحة عارية في مقياس نهر النيل منذ أكثر من عشر سنوات. سالومى / يوحنا المعمدان .. فى قلب التاريخ أجمعت الأناجيل الأربعة على أن يوحنا المعمدان، كان ينادى بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، وكان يقول " سيأتي من بعدى من هو أقدر منى، من استحق أن انحنى لأجل رباط حذائه، أنا عمدتكم بالماء، أما هو فسوف يعمدكم، بالروح القدس " وفى تلك الأيام جاء اليسوع إليه من الناصرة بمنطقة الجليل وتعمد على يديه في نهر الأردن. وكان الملك هيرود في هذه الأثناء حاكما على ربع الجليل، وقد تزوج من هيروديا زوجة أخيه فيلبوس، لكن يوحنا اعترض على زواج الملك من زوجة أخيه لأنه زواج باطل، ونقمت الزوجة على يوحنا وانتظرت الفرصة للانتقام منه حتى أقام الملك احتفالا في ذكرى مولده، وهنا رقصت سالومى ابنة زوجته عارية، فسر لذلك وطلب منها ما تريده، فخرجت وسألت أمها فأجابتها الأخيرة رأس يوحنا المعمدان وأجابها الملك إلى طلبها، وقدم لها السياف على طبق من فضة. البحث عن سالومى في خيال سلماوى لقد استحوذت هذه القصة على خيال سلماوى فكتب معالجته الولي عام 1985 متأثرا بمعالجة أوسكار وايلد .. فبعد أن أنسدل الستار عاد سلماوى يبحث عن بقية للأحداث في الأناجيل وكتب التاريخ، فلم يجد ذكرا لسالومى بعد مقتل يوحنا المعمدان الا رواية وحيدة مشكوك فيها للمؤرخ جوز يفوس بأنها تزوجت مرتين الأولى من فيليب الأخ غير الشقيق لوالدها، والثانية من ارسطو بولس، ولا شئ غير ذلك وحين عرضت سالومى سلماوى فى مهرجان جرش بالأردن عام 1989، ذهب الى المكان الذى شهد أحداث قصة سالومى قبل ألفى عام. وهناك لم يجد غير الخراب وغير بضعة بلاطات رخامية هى بقايا أرضية بهو القصر الذى رقصت عليه سالومى - ووسط صمت الموت الذى يحيط بالمكان جاءته الاجابة عن أسئلة كانت تشغل رأسه عن حياة سالومى. فكانت معالجته الثانية : (رقصة سالومى الأخيرة) سالومى اللعوب ان احتفالات الملك هيرود فى الانجيل كانت احتفالات بعيد ميلاده، بينما فى معالجة سلماوى الأولى كانت احتفالات بعيد جلوسه فى العرش، وفى المسرحية يتآمر كبير الكهنة والرومان مع سالومى على الناصرى وهيرود فى المسرحية يعشق الفتاة اللعوب، ولاشين هو وزير بلاطه، كما سيكون فى المعالجة الثانية وزيرا للدولة لدى سالومى، ويوجد امتداد لشخصية البستانى فى المسرحيتين، فهو فى الأولى يمارس العهر مع سالومى، وفى الثانية يستعد للموت بعد جدب الأرض، كما تجد فى المعالجتين امتدادا لشخصية الناصرى، فهو ثائر تقطع رأسه، وفى المسرحية الثانية مجرد طيف يحرص أتباعه على الثورة، وكان فى الانجيل سجينا أثناء احتفالات الملك، ولدى سلماوى كان طليقا، وفى المرة الثانية كان ميتا لم يظهر الا طيفا، وهو يرفض سالومى فى المسرحيتين .. وسالومى فى المعالجة الأولى أميرة لعوب، وفى الثانية ماكة تناجى طيف حبيبها طيلة الوقت. وهيرود فى المسرحية الأولى عاشق لها، وفى الثانية كاره ومحتقر اياها. وللرومان وجود مكثف فى النص الأول، ويختفى هذا الوجود فى الثانية، وفى الأولى ترقص سالومى فى النهاية، وهى تتخلص من أوشحتها السبعة حتى تتعرى وتطلب رأس المعمدان، وفى الثانية تستحم عارية حتى تتزين للناصرى الذى تسعى لأن تحصل عليه حيا بعد موته. وسالومى فى نهاية النص الأول تأخذ خاتم هيرود وتقطع بنفسها رقبة الناصرى، وهو الدولر الذى قام به السياف فى الانجيل، وكان هذا تمهيدا لاعتلائها العرش كما سيأتى فى المسرحية الثانية. سالومى الملكة يبدأ عالم سلماوى في مسرحيته الثانية بعد أن حلت اللعنة على المملكة من فعلة سالومى التي مضت عليها سنوات طويلة، وعالم المسرحية هنا شبيه بعالم سوفوكل في مسرحية أوديب بعد أن أصاب الطاعون المملكة من جراء فعلة أوديب نفسه .. واللعنة في عالم سلماوى هنا تستحق الرجال وتفقدهم رجولتهم ويكون البحر مأواهم الأخير، كما تفقد الأرض زرعها وتأخذ الخضرة لون الحمرة والصفرة وتجف الأمطار وتزول قوة الدولة التي تخلو من الرجال حيث لا وجود للخصيان، فقد قتلت سالومى الرجل الوحيد الذي أحبته، ولهذا لم تتزوج من بعده، وتنفرد بالحكم وتسرح أعضاء مجلس البلاط حتى تتفرغ لمناجاة الحبيب فتطلب المستحيل، وتطلب من القمر أن يعيده إليها حيا، سالومى لهذا تعد كل ليلة وليمة لم يعرف الملوك مثيلا لها، ثم تقذف بها آخر الليل إلى الكلاب الجائعة .. فماذا يفيد الجاه والتاج والصولجان إن لم يعد إليها الحبيب .. إنها تطلب المستحيل، تماما كما يطلب كاليجولا بطل كامى أن يحصل على القمر، وأوزفالد في الأشباح بطل ابسن أن يمسك بالشمس. وفى انتظار الحبيب تستحم سالومى بلبن الماعز وتقوم الوصيفات بتدليك جسدها بحمام العسل وتأكل غذاء ملكات النحل، ثم تغتسل في النهاية بعطور بلاد الشرق في انتظار الحبيب، وهى هنا تفعل ما كانت تفعله كليوباترا وشجرة الدر في استخدامها لبن الماعز وعسل النحل بديلا للكريمات الحديثة. و سالومى بذلك تحاول أن تتطهر من المعصية التي اقترفتها في حق الناصرى. ويعيد سلماوى هنا الجو العام الذي حققه سارتر في الذباب، كما يذكرنا موقف سالومى بموقف الليدى ماكبث لدى شكسبير، والتي كانت تغسل يديها بعطور العرب لتتطهر من دماء الملك المقتول. لقد أصبحت سالومى هنا ملكة بعد أن اغتصبت العرش هي وأمها من هيرود وأودعاه السجن ليلعب دور المهرج المجنون، ويذكرنا جنونه هنا بجنون لير شكسبير والذي وصل إلى الحكمة بعد أن طردته ابنتاه في العراء. (هيرود ربما كنت مجنونا حين كنت على العرش، لكنى الآن اعتقل منهم جميعا) ويلخص العبد أحداث سالومى الأولى وأحداث ما قبل المسرحية بقوله لهيرود. (تعرف الدنيا كلها أن سالومى رقصت لك عارية لتحصل على رأس الناصرى، وأن اللعنة قد حلت ببلادكم منذ أن قطعت رأسه) وفى خارج المملكة يتسع أتباع الناصرى وتذكرنا ثورتهم بتزايد الثورة ضد ماكبث وريتشارد الثالث لشكسبير .. وفى الجزء الثانى نجد سالومى خلف ستار شفاف حيث الوصيفات يقمن بتحميمها حتى تكمل زينتها لتقابل شابا يدعى سراج أعدته لها الساحرة وما هو إلا وسيط لاستحضار الحبيب من العالم الآخر، فتقطر في فمه السم، وبعد أن تفرغه تقبله حتى يموت. وتقوم الساحرة بدورها لتحضر روح الناصرى في جسد الشاب، ولكنه لا ينهض في الوقت الذي تسمع فيه ولكنه لا ينهض في الوقت الذي تسمع فيه سالومي صوته ثائرا عل ماآلة اليه البلاد من خراب , ويرفض لقائها, وينبئ عن ثورة شباب الناصرة, ثم يسقط علي الأرض: وبالفعل تثور البلاد كلها يد في الثوار في الوقت الذي تزين فيها سالومي لتلقي الناصري في العالم الآخر, فهذه ليلة العرس التي تزف فيه اليه ليتساويو, ثم تواصل رقصتها الأخيرة كالدجاجة المذبوحة حتي تترنح فتسقط وهنا يردمونها بالحجارة كالعاهرات الزانيات, وتنتهي بذلك المسرحية, ولكنها تطرح في النهاية تساؤلا عماان كانت العلاقة بين الناصري (يوحنا المعمدان) وسالومي – وهي العلاقة التي لن تكن موجودة الا في رغبة سالومي الشبقة, ورفض يوحنا لها – تسمح بهذا الجموح العاطفي الذي يجعل من سالومي تقدم علي ما أقدمت عليه دراميا هنا؟ خاصة وان انتقامها- في المعالجة الأولي كان له مايبرره في طلب رقص الناصري انتقاما لأنوثتها, ولتحقيق حلم أمها كما تقول؟ رقصة سالومي الأخيرة علي خشبة القومي اعتمدت الفنانة سكينة محمد في تصميمها للديكور علي تكوينات جمالية بسيطة, فالمسرح يتكون من عدة سلالم تؤدي الي مستوي في أعلي المسرح, وعلي الجانبين خلف المسرح ومقدمته يوجد تماثيل رومانية أربعة, وايضا أعمدة علي الجانبين بحيث يبدو المنظر متوازنا جماليا, وفي الخلفية يبدو البحر, وتظل امواجه المتلاطمة خلفية للأحداث تخفف من عنفها .. وتعطي موسيقا راجح داود في البداية ارهاصا مخيفا لما سوف يحدث وتظل الموسيقا طوال الوقت تشكل معادلا مسموعا لتطور الأحداث. وحين تبدأ المسرحية يذكرنا المخرج الموهوب هناء عبد الفتاح بسالومي الأولي حين كانت صغيرة ترقص عارية (والعري هنا مجازي وليس حقيقيا) ثم تحصل علي رأس الناصري, وما هذه الا احداث في عقل سالومي الباطن .. ويتضح ان المخرج بسعي الي تحقيق التوازن الجمالي/ الدرامي طيلة الوقت في حركات المجموعات والممثلين, كما يستخدم ابواب وطرقات الصالة والبناوير للتمثيل, وهو بذلك يضع المتفرجين داخل الحالة المسرحية ويجعلهم جزءا منها. ومن افضل المشاهد المبدعفة في المسرحية مشهد الساحرات الذي يذكرنا بساحرات ماكبث, حيث حركة السماء الملبدة بالغيوم السوداء , والموسيقا التي تؤكد ميتافزيقا المشهد,والسلم الذي ينتهي الي المساء,والساحرات الثلاث خلف الجثة الممددة امامنا, وسالومي ووصيفاتها يشاهدن وينتظرن ان تدب الروح في الجسد, وسرعة الايقاع وتداخل الأصوات وصخب الموسيقا والاضاءة الخاضعة تعيد الينا جو الساحرات في ماكبث والعالم الشكسبيري بطل مفرداته الخارقة والتي تحرك احداثه, خاصة كما صورها رولان بولانسكي في فيلمه الدموي ما كبث والذي اخرجه اثر مقتل زوجته شارون تيت. وفي نهاية المسرحية يجتمع الثوار علي خشبة المسرح والصالة يمسكون بالحجارة اثناء رقصة سالومي كالذبيحة يرجمونها بالحجارة فيعيد المخرج الي اذهاننا مشهدا رائعا ومخيفا من مشاهد فيلم زوروبا اليوناني لكازندزاكسي حينما اجتمعت القرية علس شكل دائرة في ايقاع مرعب لترجم بالحجارة الممثلة ايرين باباس, كما يعيد الي اذهاننا ثورة الحجارة في فلسطين المحتلة ومصير الحكام القتلة في العالم الثالث. ويعتبر دور سالومي لسهير المرشدي نقلة نوعية لها, فهي من الممثلات القليلات في المسرح المصري اللائي يمتلكن قدرات تقنية كبيرة لا تتمتع بها كثيرات من نجماتنا, ولكن المشكلة الحقيقية. لدي الفنانة سهير المرشدي هي أن الأداء الانفعالي كثيرا ما تنفصل عن المنطقة السيكلوجية بعالمها العاطفي والانفعالي والخيالي وخبرات ااعقل الباطن, مما يجعلها تقع كثيرا في اطار الأداء الميكانيكي, وهذا ما يعوق الممثل الجيد في الوصول الي منطقة الابداع الحقيقي, وهذا ما كان يشغل الكبار من امثال ستانيسلافسكي واوزبنسكايا وبولسلافسكي وسترالسبرج وجروتوفسكي وغيرهم. فحين بدأت سهير المرشدي تنطق أولي كلمات الدور في العرض عن مجلس البلاط بدأت بأعلي طبقة صوتية لها وبأعلي انفعال مما تعذر معه أن تنتقل نقلات مختلفة ومتنوعة وصولا الي لحظات الذري في العرض, حتي بدت هذه النقلات غير مبررة عاطفيا حيث علي سبيل المثال نقلتها للحديث عن القمر والبحر والحبيب نقلة بدت ميكانيكية وكأنها تضغط علي زر بيحولها من انفعال الي آخر دون مسافة عاطفية تسمح بهذا الأنتقال .. ومن افضل مشاهدها علي خشبة المسرح هي تلك المشاهد التي بعدت فيها عن استخدام طبقاتها الصوتية العالية, وهو المشهد الذي التقت فيه بسراج حيث ادائها الناعم والرشيق والذي تعبر فيه عن مشاعر دفينة مغلقة غير ما تظهره وهي تعطيه السم .. وقد اعطي استخدام المخرج لصوت البحر في الخلفية كما اعطي اداء الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي بتاريخه المسرحي الطويل وعمق ادائه ودخوله تحت جلد شخصية الملك السجين المجنون تأثيرا متوازنا بين حالة التوتر والنقيض في العرض المسرحي. ولم يكن المخرج موفقا في اختيار الفنان يوسف داود في دور لاشين, اذا انه قد تنمط في طريقة اداء واحدة يؤديها في جميع ادواره رغم اختلاف ملامح هذه الأدوار, مما جعله صورة ثابتة في عقل المتفرج كما انه لا يسعي للخروج من هذه الصورة التي تسعي الي انتزاع ضحكات الجمهور, فهو يؤدي الجملة بمنحني معين ثابت, ويتنفس بطريقة محددة تنتهي بعدم وضوح الجملة في النهاية,ويضحك بطريقة ثابتة حتي وصل الي أداء نمطي واحد, ومؤكد يصلح هذا للأعمال التجارية الجماهيرية بمفهومها السائد, ولم تترك سلوي محمود في دور هيروديا أي اثر, عكس مرسي الحطاب الذي كان تشخيصه لدور البستاني عميقا, وينطبق هذا علي محمود البنا وعاصم رأفت وعبد العزيز عيسي وألفت كامل وأماني يوسف وسامي المصري وابراهيم الدالي وحسن العدل, وكان علي المخرج أن يوظف طاقات الفنان محمد صلاح في دور أكثر أهمية لأنه يتمتع بامكانات طيبة تظهر لو اتيحت فيه الفرصة الحقيقية. وقد استطاع المخرج بهذا العمل السيمفوني تقديم قراءة مبدعة شكسبيرية معاصرة لنص الشاعر المسرحي محمد سلماوي الذي حاول أن يقدم اليوم واعصر والتاريخ المتخيل من خلال كلمات درامية مبدعة ورائعة لأحداث لم تكن في الكتب المقدسة أو غير المقدسة. د. أحمد سخسوخ أخبار النجوم 22/5/1999

سالومي في رقصتها الأخيرة - احمد عبدالعاطى حجازى

كلما شاهدت عرضا مسرحيا جيدا , وهي متعة اصبحت في هذه الأيام شحيحة نادرة قلت لنفسي: اذا كان لدينا من يستطيعون أن يقوموا هذا العرض فلماذا اصبح المسرح المصري ضعيفا متهافتا؟ ولماذا فقد جاذبيته وسلطانه, وانحدر في بعض الأحيان الي مستوي الملهي, ولم يعد قادرا علي الاحتفاظ بجمهوره أو حتي بابنائه المخلصين؟! لكني ساؤخر الأجابة علي هذا السؤال حتي أحدثكم عن العرض الذي اثاره في نفسي, وهو مسرحية محمد سلماوي الجديدة "سالومي في رقصتها الأخيرة" التي تقدم الآن علي خشبة المسرح القومي من اخراج هناء عبد الفتاح. والحقيقة ان الرقصة الأخيرة لسالومي هي الثمرة المرة لرقصتها الأولي أو الجزاء الوفاق. فالمسرحية الجديدة تكملة لمسرحية سبقتها من تأليف الكاتب ذاته, والمسرحيتان معا تدوران حول تلك المرأة المثيرة التي جاء في التوراة انها رقصت لهيرود حاكم الجليل عارية, فقدم لها رأس يوحنا المعمدان علي طبق! وسالومي التاريخية هذه, أو فلقل التوراتية, تنتمي الي أسرة من الحكام الطغاة المتهتكين الذين تولوا السلطة في فلسطين أو جزء منها.. بين أوائل المائة السابقة علي ميلاد السيد المسيح واوائل المائة الثانية بعد الميلاد, وتسموا جميعا باسم هيرود, وأولهم هيرود الكبير, وكان سفاحا جمع بين عشرة زوجات, وقتل كثيرا من آل بيته, وأمر بذبح أطفال بيت لحم ثم تلاه ابنه هيرود انتيباس الي حكم منطقة الجليل وحدها, ولهذا سمي حاكم الربع, بين السنة الرابعة قبل الميلاد والسنة السابعة والثلاثين بعده. وقد تزوج هيرودياس التي تزوجت قبله اخاه فيليب وأنجبت منه ابنتها سالومي التي نشأت في قصر عمها وزوج امها هيرود انتيباس. وكانت سالومي شابة فاتنة, وكان عمها يشتهيها, فرضيت بأن ترقص له عارية اذا قدم لها رأس يوحنا المعمدان الذي كان يسب امها في الأسواق ويتهمها بالزنا. وقد تحولت سالومي التوراتية الي شخصية اسطورية أثارت خيال الشعراء أو المسرحيين و الفنانيين المصورين والموسيقيين, وخاصة في هذا العصر الحديث, والهمتهم اعمالا نالت شهرة عظيمة, وفي طليعة هذه الأعمال مسرحية الكاتب الأنجليزي اوسكار وايلد "سالومي" التي جعلها مأساة من فصل واحد, وكتبها في صيغتها الأولي الفرنسية عام 1893, وصور فيها تلك الأشواق الجامحة والرغائب المحرمة التي قادته هو الي السجن بتهمة الشذوذ, وتسببت في مصادرة المسرحية. لكن ريتشارد شتراوس, وكان موسيقيا مثقفا مجددا مغرما بالقراءة وتحويل ما يقرأ من شعر وفكر ومسرح وقصة الي اعمال سيمفونية واوبرالية, لحن "سالومي" عام 1905, وقدمها للمسرح الغنائي. وقبل ذلك بسنوات كانت "سالومي" موضوعا للوحة .. من لوحات المصور الفلرنسي جوستاف مورو, وهو استاذ رووه وماتيس. وكان علي الأخراج أن يترجم الصور الشعرية الي افعال ومشاهد, ويوازنها بحضور مسرحي يجند له كل عناصر العرض وادواته من التمثيل الي المناظر, ومن الموسيقي الي الرقص". ومن الاضاءة الي المؤثرات الصوتية, ومن قطع الأثاث الي الأزياء, ولقد حقق المخرج في هذا العرض نجاحا بعيدا, ووجد للمشاكل التي اعترضته في النص حلولا لا تخطر الا لكبار المخرجين. ولكن كان الستار من الداية مفتوحا, فليست هناك مفاجآت, لأننا نعرف ما سوف يقع أو نستطيع أن نتوقعه, وانما جئنا لأننا نعلم أن العرض سوف ينتزع اعجابنا لا بما يقوله ولكن بطريقة في اداء ما يقول, كما ينتزع المطرب العظيم هتافات الاستحسان وهو يغني اللحن الذي طالما سمعه المستمعون. احمد عبد المعطي حجازي الأهرام 19/5/1999

سالومى.. سلماوى - فتحى العشرى

توقف التاريخ بعد أن رقصت سالومى رقصتها العارية امام زوج امها هيرود الحاكم الطاغية مقابل رأس يوحنا المعمدان الناصرى الثائر الفلسطينى.. فالأحداث دارت فى الضفة الغربية أثناء ثورة الشعب ضد الظلم والاستبداد بالقول والحجارة فى نهايات القرن الاول قبل الميلاد وقد تناول الكاتب المسرحى محمد سلماوى هذه الاحداث كما وقعت فى التاريخ فى مسرحيته "سالومى" وعندما اراد أن يقدم جزءا ثانيا يستكمل فيه الموضوع المبتور لم يجد فى التاريخ نبعا ينهل منه فقرر فققر ان يتخيل وان يضيف فى مسرحيته الجديدة "رقصة سالومى الأخيرة" تخيل ان سالومى اعتقلت هيرود واستولت على الحكم وواجهت الثوار من انصار الناصرى الذى ذابت فيه حبا بعد ان فقدته حتى استسلمت لسيطرة ذكرياتها معه وإصرارها على عودته وإعادته دون جدوى فاستسلمت للثوار بعد أن أصبحت حياتها ووحدتها بلا معنى .. وقد تناول المخرج هناء عبدالفتاح هذه المعطيات بمفهوم الجمع بين الاصالة والمعاصرة أو بين التاريخ والحاضر وباسلوب الجمع بين الواقع والخيال أو بين الممكن والمستحيل وبشكل الجمع بين الفانتازيا والخيال العلمى.. صمتت سكينة محمد على الديكورات والملابس بوعى تاريخى وإن لم تلمس الحاضر كما لمسه المؤلف والمخرج معا. ووضع الموسيقى راجع داود بإحساس المزيج الغربى الشرقى الذى كان ولا يزال.. وشكلت الاستعراضات مايا سليم بتعبير فياض ينتزع من الواقع التاريخى القديم رقصة سالومى الأولى ويستنسخ منها بالخيال رقصة سالومى الأخيرة .. ولقد كانت سهير المرشدى هى سالومى المستنسخة بحق لتضيف إلى سالومى الأصل القوة والصلابة والحكمة واشجاعة دون أن تفقد للخطة نعومة المرأة الجميلة ومشاعر العاشقة الفياضة ومواجهة الموت حبا وباسا وصولا إلى الحبيب المفقود فى غياهب المجهول اعترافا بالخطأ والخطيئة وتكفيرا عن الذنب والندم .. ويفاجئنا أشرف عبد الغفور بخفة ظل لم يكشف من قبل ممثلا كوميديا راسخا رسوخ تقاليد مسرحنا القومى العريق.. ويقف إلى جواره حسن العدل بثقة واعتزاز يعلتن بهما عن امكاناته الضائعة فى سراديب مسرح الدولة . . ويعيد مرسى الخطاب بالسنين والخبرة أمجاد عمالقة المسرح القومى الذين رحلوا عنا دون عوض إلا فيما ندر .. ويمثل جيل الشباب الذى يمنحنا الامل مفضلا أضواء المسرح الرسمى الهادئة على بهرجة المسرح التجارى الزائفة علاء قوقة وأمانى يوسف. أنها بحق سالومى سلماوى وهناء وسهير .. فشكرا لهم فتى العشرى باب : نبضات ملحق جريدة الأهرام 20/8/1999

سالومى.. مفاجاءة اخر الموسم - الفريد فرج

مسرحية .. رقصة سالومى الاخيرة. للمؤلف محمد سلماوى والمخرج هناء عبد الفتاح كانت مفاجأة اخر الموسم المسرحى¡ ارتفعت بها منصة المسرح القومى¡ وارتفع بها شباك تذاكره ايضا. وقد تحدثت فى الاسبوع الماضى عن النص الأدبى للمسرحية¡ وعن لغته الفصحى الدرامية¡ وعن شاعرية اجوائه الشرقية وجمالياته الفنية¡ وعن مضمونه السياسى والفكرى العميق. "ورقصة سالومى الاخيرة". هى المسرحية الثانية لثنائية محمد سلماوى التى شاهدنا جزءها الأول. سالومى منذ سنوات فى مسرح قصر المانسترلى بالروضة. وفى الجزء الأول أحبت سالومى القديس الناصرى. وسخطت عليه لأنه صدها.. ثم رقصت رقصة فى قصر الملك هيرود زوج امها اثارته واثارت ضيوفه فوعدها بتلبية اى طلب تطلبه.. فطلبت رأس "الناصرى" على طبق¡ فامتعض هيرود. ولكنه وفى بوعده لها وأمر بقتل حبيبها وعدوها. وفى الجزء الثانى نجد سالومى¡ وقد اصبحت لها الكلمة العليا على مشيئة الملك "هيرود" استطاعت اغتصاب العرش وعزل "هيرود" وتمنت أن يعود حبيبها وقتيلها "الناصرى" إلى الحياة بقوة السحر. وكان قتل "الناصرى" قد حلت به اللعنة على المملكة فجف ماؤها واجدبت ارضها واستبدت الملكة بشعبها فتجمع انصار "الناصرى" للثورة عليها فعلمت بسوء مصيرها وتزينت للموت كعاشقة كعاشقة تتزين للقاء حبيبها بينما ثورة الحجارة تطبق عليها من كل جانب. فى الأسبوع الماضى كان حديثى عن النص الأدبى وهو حديث لا يكتمل إلا بالنظر فى العرض المسرحى الذى صاغه المخرج الفنان هناء عبدالفتاح. وقد كلن إخراج العرض المسرحى هو الوجه الآخر لمفاجأة اخر الموسم المسرحى حيث تكامل الع رض المسرحى بنص ممتاز واخراج ممتاز فى مسرحية "رقصة سالومى الاخيرة". ومن الاخراج ما يجلو جماليات النص الأدبى المسرحى ويؤكد مضمونه الفكرى¡ ويحيطه بضمانات الالتزام بحرفيته من جهة وبالفهم السليم له من جهة اخرى "وتفسيره التفسير العصرى.. كما وقع فى "رقصة سالومى".. والاخراج المسرحى فن رائع له ادواته الفنية ومؤثراته الجمالية والفكرية .. وهى التأثير بالايقاع وبالاضاءة الثابتة والمتغيرة¡ والتأثير بالتجسيد وبالتشخيص¡ وبالحركة فى الفراغ المسرحى¡ والتأثير بموسيقية الحوار¡ وبالتفسير والتحليل لمضمون النص وحسن توزيع الشخصيات على الممثلين.. وتوجيه كل هذه الأدوات والمؤثرات الإبداعية لإبراز جماليات النص المسرحى ومضمونه فى عرض مسرحى جذاب يمتع العين والاذن والوجدان والأفهام. عرفت هناء عبد الفتاح وهو طالب فى المعهد العالى للفنون المسرحية¡ وحين تخرج والتحق عضوا بالمسرح القومى وقام بادوار فى مسرحياته وساعد فى اخراج عدد من أشهر مسرحيات الستينات. وقد أعجبت بوفاء الفنان هناء عبدالفتاح حين ذكر الاستاذ الراحل عبدالرحيم الزرقانى (1913-1984) فى كراسة مسرحية رقصة سالومى الاخيرة¡ ووصفه بأنه استاذه¡ وذكر انه ساعده فى اخراج بعض المسرحيات. واثناء مشاهدتى المسرحية¡ وقبل أن أقرأ كلمة المخرج تذكرت لامر ما الفنان المخرج عبدالرحيم الزرقانى¡ وكنت احضر الكثير من بروفات المسرحيات التى يخرجها وكان يقول لى: "إن خمسين بالمائة من نجاح العالم المسرحى يضمنه حسن توزيع الادوار والشخصيات على الممثلين المناسبين للادوار¡ واختيار الممثل المناسب للشخصية المسرحية لا يتم إلا بدقة فهم المخرج للنص المسرحى وتفسير مضمونه تفسيرا يمس مشاعر الجمهور وتحليل معانيه الظاهرية والخفية". وكان الفنان يقول للمثلين "اريد منكم قبل كل شئ الإبانه ووضوح الكلمات والحروف فلابد للمثل أن يترك الحروف كلها¡ وأن تتناسب أطوال الحروف الساكنة كع أطوال الحروف المتحركة فى الكلمة": فما كانت اروع صوتيات اللغة الفصحى فى مسرحية يخرجها عبد الرحيم الزرقانى أو حمدى غيث أو كبار فنانى ذلك الجيل عاشق الفصحى: وكيف لا اتذكر عبد الرحيم الزرقانى فى مسرحية لغتها فصحى وأخرجها هناء عبد الفتاح؟: وكيف لا الحظ فى "رقصة سالومى الاخيرة" دقة الصوتيات اللغوية¡ والإبانة وجمال الفصحى المسرحية وجمال سياقها الدرامى؟ كيف لا الحظ امتياز المخرج فى اختيار الممثلين للشخصيات المسرحية¡ وعلى رأسهم سهير المرشدى وعبد المنعم مدبولى ويوسف داود وسلوى محمود: فى أدوار"سالومى" "هيرود" "والوزير" "لاشين" "وأم سالومى" "هيرودياس":؟ أو كيف لا ألحظ فى العرض المسرحى للفنان هناءعبد الفتاح إشزاق اللغة العربية وأن مسامع المسرحية تميزت بالنبرات الهادئة والانفعالات المحسوبة رغم تأجج العواطف والتهاب الاشواق المستحيلة.. وقد انطلق هناء عبدالفتاح من قاعدة المسرح الراسخ فى نهضتة الشهيرة.. ولكنه تجاوز القياس على مسرح الستينات وجمالياته.. ودعانا إلى أفق جديد بديع للفن المسرحى جربه وأجاده وتألق فيه اثناء وبعد بعثته إلى "وارسو" بولندا¡ وهى واحدة من بلاد القمة فى المسرح الأوروبى وتتلمذ هناك على الفنان المدهش "جيرسى جروتوفسكى" (المولود سنة 1923) ويعتبر من نخبة تعد على اصابع اليد الواحدة من الفنانين المسرحيين المؤثرين فى مسار المسرح العالمى للقرن العشرين¡ وقد علم تلاميذه فى كراكاو وفى موسكو وفى ايطاليا وفى امريكا منذ 1982 فنون الحداثة وتطوير الأدوات الإخراجية ومفردات اللغة الفنية وتطوير المسرح. وقد تركز ابداع "جروتوفسكى" فى محاولة تطوير العلاقة بين الممثل والمشاهد¡ وقدم باسلوب جديد المسرح الشعرى الرفيع مثل مسرحيات "قابيل" للشاعر الانجليزى المسرحى "لورد بايرون "(1788-1824) و"فاوست" للشاعر الالمانى يوهان جيته (1749-1832) وفاوست الاولى للشاعر المسرحى الانجليزى كريستوفر مارلو (1564-1593)ما شابهها. ثم أنشأ "جروتوفسكى" المسرح " المعملى" أو "المعمل المسرحى" سنة 1965,وقدم فيه اشهر مسرحياته"الامير" .. وقد انشأ الفنان البولندي ما سمي "مسرح التمثيل" من 1959 الي 1969,وبه ابدع اسلوبا مستحدثا لتدريب الممثل من خلال العاب الجيمناستيك والاكروبات واليوجا والبانتومايم (التمثيل الايمائى). فكان اسلوبه فى تدريب الممثل من أشهر أساليب المسرح الحديث للقرن العشرين الي جوار اسلوب "ستانسلافيسكي" الروسي (1863-1938) في تقمص الشخصية والتمثيل الطبيعي واسلوب "بروتولد برخت" (1898-1956) في المسرح الملحمى وهو تمثيل الشخصية المسرحية بوعى لنقدها وتصويرها من زاوية رأى الممثل فيها.. وهذا المناخ الذى تعلم فيه طالب البعثة والفنان الكبير المبدع هناء عبد الفتاح¡ واتمنى ان يسهم بقلمه فى زيادتنا علنا بالمناخ الثقافى الرفيع اذى تدربت فيه مواهبه على اساليب التمثيل والاخراج الحديثة¡ وتطور الصورة المسرحية وفنون المسرح فى اوروبا¡ لنستنير بعلمه وفنه فى التواصل مع الدنيا فى عصرها الحديث. وقد شاقنا الحديث عن المناخ الذى عايشه فناننا.. حتى كاد ذلك يصرفنا عن وصف إخراجه لمسرحية الكاتب القدير محمد سلماوى " رقصة سالومى الاخيرة" وضع الفنان المخرج الجمهور " والصالة داخل إطار المسرحية وأحاط المشاهدين بأحداثها¡ فكانت المجاميع تحيط بصالة الجمهور من اليمين ومن اليسار. فى بناوير مسرح الازبكية والواجه وبلكونة¡ من خلف الصالة وأمامها على المنصة.. واستمر المخرج حتى ممر الوسط فكان الجمهور فى قلب الاعتراض على الاستبداد القائم اعلى المنصة¡ واضفى ذلك على المسرح ابعاد تخيل لك انها اعمق من ذات المعمار المسرحى¡ واكد المخرج هذه الابعاد بدرجات الاضاءة على المجاميع القريبة والبعيدة¡ بخطة للاضاءة تخيل للعيون وأبعاد الصورة فى عمقها وقربها وبعدها كما يصورها المخرج. ومن المألوف فى مسرحنا وفى المسرح التقليدى ان تقدم الفكرة أو الشخصية بالموتيف الموسيقى أو بالجملة الموسيقية الدالة على الشخصية أو الفكرة وتمهد لدخولها المسرح أو حضورها فوق المنطقة.. ولكن هناء عبدالفتاح اضاف الى ما عرفناه وما الفناء ان يكون الموتيف أو الجملة الدالة على الشخصية أو الفكرة الموحية بحضور الفكرة أو دخول الشخصية يمكن ان يكون بالصورة المرئية مستقلة عن السمع الموسيقى .. فكانت مفاجأة سالومى لحبيبها وقتيلها "الناصرى" تدعو صورته وطيفه مجسدا فى الصالة عن يمين مرة¡ وعن يسار مرة¡ ويكتمل به المنظر المسرحى مرة فكان مثل الموتيف التصويرى أو الإيحاء بالصورة وأحدى تداعيات مناجاة الحبيب القتيل (!) وتكررت الصورة المستدعاة .. ليؤكدها المخرج فى نهاية العرض وفى لهيب الثورة على الاستبداد بحضور صورة أو طيف "الناصرى" مجسدا حضورا روحيا فى قلب ثورة الحجارة.. اضاء له المخرج. ربما لأول مرة فى تاريخ مسرح الأزبكية العريق (80سنة)-اضاء قبة المسرح من داخلها وهى قبة عربية المعمار والزخرفة فكأن الثورة تلتهب تحت القبة العربية الاسلامية فاضاءت القبة لها وسطعت بنورها فوق الجمهور فرنت اجراس المقاومة الحرة .. فى اشارة رائعة للمقاومة الفلسطينية¡ أو ان رأيتها على وجه اشمل فهى تشير إلى كل العرب¡ ومن ورائهم إلى الأنسانية كلها فى العصر الحديث.. وقد سألت الفنان المبدع هناء عبد الفتاح عن أعماله فأدهشنى أنه يخرج فى المسرح القومى للمرة الاولى (!) وقد رجعت إلى قاموس المسرح الذى تشرف عليه الدكتورة فاطمة موسى والاستاذ سمير عوض وبحثت عن اسم "محمد هناء عبد الفتاح" لاعرفه عنه انه تخرج فى المعهد العالى للفنون المسرحية سنة 1966 وسافر إلى بولندا فى بعثته الدراسية سنة 1974 حسث حصل على ماجستير الفلسفة وماجستير فى الاخراج المسرحى من اكاديمية المسرح فى بولندا 1985,وعاد إلى القاهرة ليخرج عددا من المسرحيات المتميزة فى الجامعات¡ وفى الثقافة الجماهيرية وفى بولندا.. وقد تحدثت ذات مرة عن حسن الضيافة للامتياز وضربت مثلا على الرعاية الكاملة للمواهب فى الغرب¡ وتمنيت ان يكون الامتياز فى بلادنا مفتاح العمل والتجريب والتطور¡ ولا يكون سببا للصد والضيق بصاحبه .. وهذا ما اتمناه دائما للمبدعين المتميزين ¡ فلا يكفى ان نقول مصر ولادة جيلا بعد جيل¡ ولكن يجب ان نهيئ الأنظمة ونطورها لتحسن الضيافة للمبدعين والنابغين. وقد كان للمخرج الفنان فضل ورؤية نافذة لإسناد دور "هيرود" المعزول للنجم المسرحى عبد المنعم مدبولى الذى نراه لأول مرة يمثل بالفصحى فإذا هو الفنان القدير الجاد الساخر المسيطر على نبرة الفكاهة المرة ¡ وكان للمخرج ايضا نظرة ثاقبة فى اختيارممثلة المسرح القومى القديرة سلوى محمود لدور "هيرودياس" الملكة المذنبة أم سالومى¡ فكانت على المسرح نسمة منعشة وجملة فصيحة فى سياق جميل.. أما سهير المرشدى فهى دائما ذات الصوت الجميل والنطق الرائع للفصحى وهى ابنة المسرح الرفيع.. ولو كان الأمر بيدى لقدمتها فى روائع المسرح العالمى "هيدا جابلر ابسن¡ وكيلوباترا"شوقى¡ وفى "بستان الكرز" تشيكوف¡ وترويض النمرة" شكسبير .. إلى آخر .. لا أدعها تنزل من فوق المنصة أبدا. وقد كان للمخرج ايضا اختيار مدهش حيث اسند دور الوزير "لاشين" إلى الفنان الكبير "يوسف داود" فرأيناه للمرة الأولى فى المسرح القومى خارج المسرح الخاص.. فاذا للمخرج نظرة ثاقبة وإذا يوسف داود فى حالة لياقة فى اللغة الفصحى وفى المسرح الفكاهى الجاد كان دائما هناك¡ وتمنيت لو فاز به القومى ولم يفرط فيه للقطاع الخاص. والحقيقة ان يوسف داود من اكتشافات الفنان الرائع عادل امام وهو هديته للمسرح واول من قدمه للجمهور العريض وللنجاح العالمى المقام. وبهذه المسرحية الرائعة يختتم المسرح القومى موسمه الشتوى اجمل ختام .. وكل ما نرجوه ألا يكون هذا العرض الجميل إلا مؤشرا لخطة المسرح فى المواسم المقبلة¡ بالاحتفاء بالنجاح ومد الموسم للعرض الناجح بالفصحى وبالمضمون العصرى للمسرح وبالارتباط الوثيق بين الادب المسرحى وفنون المسرح. وهو ارتباط يرسخ النجاح دائما. ألفريد فرج جريدة الأهرام

سالومي..ورقصة الموت - فيصل عزب

من حيث انتهت مسرحية سالومي ورقصتها العارية أمام الطاغية هيرود ثمناً لرأس يوحنا المعمدان التى أخذتها على طبق من فضة انتقاماً منه لإهانة جسدها وترفعه عن ممارسة الخطيئة والإنغماس معها فى أحضان الرذيلة. بدأت مسرحية رقصة سالومي الأخيرة .. وفيها تخيل الكاتب محمد سلماوي ماذا يمكن أن يحل بالشخصيات بعد أن توقف التاريخ عن إطلاعنا على مصيرها .. فرأى سالومي وهي تتحدى القدر «لا أيها القدر الأحمق لن أطيع أوامرك بل ستطيع أوامرى كما يطيعها الجميع .. وكما أخذت حبيبي ستعيده إلي من جديد» ورآها وهي تلبس عباءة العتاة والجبجبرة فتسلب عرش الملكة وتتحكم في مصائر الناس وتحل مجلس البلاط وتتلاعب بأعضائه وتملى إرادتها على الجميع. ورأى هيرود وقد أصابه الجنون وهو يمضى أيامه سجيناً بعد أن أرغمته سالومي على ترك العرش لها - يحلم بالجاه والسلطان ويتخيل العبد وزيراً له بعد أن انضم للوزير لاشين الى بلاط سالومي¡ وأصبح من رجالها¡ ورأى كيف تحل اللعنة علي المدينة التي تأوى الخاطئة الفاجرة فينضب المعين وتتشقق الأرض وتسقط الثمار ويذبل الزرع¡ وحتى البحر هو الآخر يموت ويجتاحها لهيب الحر الذي يغلف الجو فيزداد الشعور بالإختناق ويفجر رغبات الجسد الخاطئ¡ فتلجأ إلي السحرة ليعيدوا لها الحبيب الغائب في جسد الشاب سراجالذي قدم حياته قرباناً لفتنتها وهو مسلوب الإرادة ورأى البستاني وهو ينهار ألماً وحزناً على أشجاره التي تتساقط والجدب وهو ينتشر حتى يموت هو أيضاً غماً وكمداً¡ ورأى أصحاب الناصري وهم يلتقون مع المقهورين من الشعب وعلى رأسهم زوجة البستاني وأم الشاب سراج يلتقون على أمر واحد وهو التخلص من الظلم والتحرر ممن حلت عليهم اللعنة بسسببه فيهاجمون القصر .. وتنتهي رؤاه برجم الزانية التي كانت تتألق وتلبس أفخر ثيابها وتتعطر وترقص رقصة النهاية رقصة الموت الذي ستجمعها بحبيبها. هذا بإختصار ما رآه محمد سلماوي بخياله الخصب وحسه الغني ومزجه بواقع الحال ليعطي صورة عن ثفاعله مع معطيات العصر وربط بين ثورة الحجارة على أرض فلسطين وثورة الحجارة علي الفساد ورجم الخطيئة وعبر عن ذلك بحوار جميل سلس مستخدماً اللغة العربية وجرسها الجميل الممتع في مخاطبة الوجدان والوصول إلى مناطق الإدراك والإمتاع. أحسن المخرج هناء عبد الفتاح اختيار الشخصيات وتحريكها وملء الفراغ المسرحي وتوجيه المجاميع وتكويناتها لم يوفق فى حشر دور الخرساء الذي قلل من روعة التفاعل مع النهاية الثورية الحماسية¡ كما أن أداء مجموعة السحرة أضاعت الكثير من العبارات فلم تصل إلى أسماعنا .. أبدع راجح داود في الجمل اللحنية المصاحبة¡ فكانت خير عون في الإيحاء بالعصر والحدث¡ وكذلك ملابس سكينة محمد علي أضفت ملمحاً من ملامح الإقتناع والمعايشة .. أما إضاءة عاصم البدوى قد عبرت عن الحالة النفسية والمزاجية للشخصيات وكان أحلى وجود لها في مشهد السحرة. نأتى إلى أداة التوصيل وهم الممثلون فنجدهم جميعاً على قدر فائق من الإبداع والتميز .. سهير المرشدي صوت مسرحي أخاذ وأداء مفعم بالصدق والفهم وحركة رشيقة تعرف موقعها على خشبة المسرح. وأستاذية عبد المنعم مدبولي وخبرته الطويلة أدت إلى تفجير الضحكت بحركات المدبوليزم دون الخروج بحرف عما هو مكتوب .. يوسف داود وطابعه الخاص في الأداء الممتع الرشيق وإقناعه في شخصية الوزير «الدلدول» تميز علاء قوقة في دور الثوري بحضوره القوي وصوته المميز وأدائه المتمكن .. مرسي الحطاب في دور البستاني وسلوى محمود في دور هيرودياس وحسن العدل في دور العبد ورشا فؤاد وأماني يوسف في دور الوصيفثين ومحمود البنا في سراج أدوا آدوارهم باتقان وتميز .. وكذلك حمادة شوشة ومحمود صلاح وصفاء أمين وشدوا الجارحي وعاصم رأفت¡ وعلى العموم كانت عناصر العرض على مستوى كبير من الصدق والإقتناع فاستمتعنا بمسرح جاد ومحترم وقضينا سهرة جميلة مع فن راق وممتع. فيصل عزب جريدة الأهرام المسائى 10/5/1999

هذه الرقصة الأخيرة -د/حمدى الجابرى

لابد أن نحمد الله كثيرا علي ان صناع الفشل المسرحي الذين نجحوا في اهدار الملايين كل عام لم ينجحوا في ارغام المبدع المسرحي علي الاستسلام لمسرحهم المريض الذي تقدم عروضه للكراسي الخالية .. فالمبدع المصري مازال بخير والدليل علي ذلك العرض المسرحي الممتع "رقصة سالومي الأخيرة" الذي يقدمه المسرح القومي تأليف محمد سلماوي اخراج هناء عبدالفتاح بطولة سهير المرشدي وعبد المنعم مدبولي ويوسف داود وشباب المسرح القومي الذين نجحوا في تحقيق حلم قديم لفاروق حسني حول ضرورة قيام المسرح باثراء عقل ووجدان المشاهدوالارتقاء بذوقه وحسه الجمالي. واذا كان محمد سلماوي قد سبق له تقديم سالومي الأولي معتمدا علي المصادر التاريخية والدينية لمقتل يوحنا المعمدان فانه بقدم سالومي الثانية ليس كامتداد لسالومي الأولي حيث ينتفي وجودها التاريخي وان كان المؤلف قد اخترع لها وجودا متخيلا ويحرص علي أن يؤكد خلال النص علي أن هذا الوجود مجرد "تخاريف مؤلف" كما يكرر أن ما نراه علي الخشبة مجرد شخصيات مسرحية, والجميع يمثلون علي الخشبة وفي الصالة, وبالتالي فان التفكير فيما نراه هو الهدف الرئيسي للمؤلف خاصة واننا امام اختراع للتاريخ وبالذات علي ارض فلسطين بعد سنوات منذ مقتل يوحنا المعمدان الذي كانت رأسه ثمنا لرقصة سالومي العارية امام هيرود زوج امها. وفي التاريخ المخترع يقدم المؤلف رحلة عذاب القتلة بعد استيلاء سالومي علي العرش في مشاهد متوازية. سالومي تستمع بالحكم رغم عذاب الضمير لقتلها حبيبها.. الحاكم السابق الفاسق معتقل ومهان شبه مجنون .. الأرض في حالة بوار والبحر مات.. الحكام لصوص والشعب تسري فيه نيران الثورة, وبينما الثوار يزدادون قوة ويحاصرون المدينة تبقي سالومي غارقة في عذاباتها تنتظر المستحيل بعودة حبيبها القتيل حيا ولو عن طريق السحر وازهاق الأرواح البريئة .. وبذلك تكون الشحنة الانفعالية التي اراد المؤلف تحقيقها قد وصلت الي اقصي مداها بكل تفسيراتها السياسية.. وكان التميز سمة عناصر العرض المسرحي من خلال توظيف المخرج الخلاق لها, فالحركة المسرحية الدائرية تتناسب مع التفكير التآمري وثراء الملابس التاريخية مع بساطة ديكور سكينة محمد علي الثابت بستائره الشفافة لمشهد الحمام وستائر الحبال لسجن الحاكم السابق ونحت فادي فوكيه مع اضاءة عاصم البدوي المبهرة بتوظيفها ودرجاتها المتعددة وألوانها المعبرة عن الموقف والحالة النفسية قد ساعدت ايضا علي المتعة البصرية مع قدرتها علي الابهار بالحالات المختلفة ما بين ثورة حب وايضا الساحرات الثلاث وكذلك موسيقي راجح داود الهادئة سواء كخلفية تبطن الحدث وتصاحبه أو كمشاركة في صنع الموقف الدرامي والارتقاء به وجدانيا الي الذروة بأسلوب يدفعنا الي اعادة النظر في حقيقة الموسيقي ودورها في المسرح. يبقي نجوم العرض .. سهير المرشدي سالومي التي بدأت جريمتها وانتهت برقصتين جسدهما ببراعة المخرج من تصميم مايا سليم أداء يسار عنتر كنقلة زمنية عندما تخرج الراقصة الصغيرة من ظهور سالومي لتعود اليه للتحمل سهير المراحل المختلفة للشخصية المحورية ببراعة تذكرنا بها كبطلة لبستان الكرز بعد أن أكسبتها الأيام النضج والتمكن من ادوارها الصوتية والجسدية ومخزونها الانفعالي في المراحل العاطفية المختلفة فاستحقت الاعجاب وكذلك عبد المنعم مدبولي بعد كارثة دوره في "تفاحة يوسف" عاد ليمتعنا بهيرود كشخصية غنية بالمشاعر والاحاسيس حاملة الرأي في نفس الوقت, وكان يوسف داود مكسبا للمسرح القومي في شخصية الوزير شاهين, كما اثبت شباب المسرح القومي احقيتهم في مرتبة النجوم وهم حسن العدل ومحمود البنا وعلاء قوقه وأماني يوسف ورشا فؤاد وكذلك القدامي سلوي محمود ومرسي الحطاب وعبد العزيز عيسي وعاصم رأفت وابراهيم نصر ومحمد صلاح مع المتميزين حمادة شوشة وصفاء أمين وشدو الجارحي وسامي المصري ومجدي عبد الحليم والفت كامل وحمدي العربي . د.حمدي الجابري جريدة:الوفد 3/4/1999

جميع الاصدرارات متوافرة لدى المكتبات الكبرى و دور النشر
الصفحــة الرئيسيـة
الـسـيرة الـذاتــيـة
مؤلفـات الكـاتب
مقالات عن الكاتب ومؤلفاتة
حـوارات الكـاتب
البــوم الصــور


تليفــون : 25783104

 

 
 
 

Designed by Abdelhafez Alnomany | 0127828975