|
برواية «الخرز الملون» يضع محمد سلماوى نفسه- عن جدارة وبكل ثقة واطمئنان - بين كتاب الرواية العربيةالحديثة، التي تعتبر الأن في ازهي عصور الرواية العربية, حيث ألهم جيل الستينات فى الثقافة العربية منجزات فنية ونماذج متألقة ينبغى ان نفخر بها حقا. ففى هذا العام وحده صدرت مجموعة روايات جميلات بديعات غير مسبوقات: «شطح المدينة» لجمال الغيطانى»، «خالتى صفية والدير» لبهاء طاهر، «إجازة تفرغ» لبدر الديب، «يابنات اسكندرية» لادوارد الخراط. وقبل ذلك بقليل صدرت مجموعة أخرى من الروايات الممتازة لعلاء الديب وجميل عطية والقعيد والوردانى. هاهو ذا محمد سلماوى يضيف إلى عقد اللؤلؤ الروائى المصرى لؤلؤة جديدة وإن كان اسمها:«الخرز الملون»
عرفنا محمد سلماى ككاتب مسرحى، متميز لعله من اهم كتاب المسرح السياسى المباشر، لعله ايضا من انجب تلاميذ مدرسة ميخائيل رومان، الذى تعامل مع الواقع باعتباره وثيقة سياسية، ومنها ينطلق بنائه العبثى، على مواقف متواترة ومنتقاة بحيث تتيح للكاتب فرصة «المناورة»أو التريقة أو السلخ، عير أنه فى النهاية يقدم رؤية سياسية جديرة بالنظروالاعتبار، لاتنحنى ميولها وانحيازها لمبادئ معينة هى الأخرى جديرة بالنظر والاعتبار. ثم قدم محمد سلماوى للحياة الأدبية مجموعة من القصص القصيرة، كشفت عن قدرة إضافية فى، تلك هى موهبة الحكى، إذ يستطيع ان يحتويك بحكاية فتقرؤها حتى النهاية، وتلك موهبة فطرية، هى التى تضفى على الكاتب جاذبية خلاقة، وبدونها لا يتحقق الأنس فى الكتابة. ومن النادر بين كتاب المسرح من يمتلك هذه الموهبة إلى جانب موهبة الحوار إنها موهبة مستقلة فهو الأداء الأساسى لاستبطان الشخصيات ومنطقها وبطاقتها الشخصية والعائلية. ومن هنا فإن تركيبة وجدان المسرح هى دائما تركيبة حوارية، فى كل معنى وكل خاطره وكل لفتة يرى نفسه مساقا إلى التفكير فيها بالوسيلة الحوارية، إن المعنى لن يكون لها أى معنى حقيقى ها هنا إلا إذا صيغ فى حوار منطقى صادق التدافق تتولد عبره الأفكار والمعانى واللمحات واللافتات ومكنون الشخصيات وحقيقية نفوسها من الداخل. ولهذا فإن الدراميين الاصلاء حين يعمدون إلى كتابة قصة أو رواية فإن تجاربهم نادرا ما تتسق، لأن النزعة الحوارية والتشخيصية البحتة ستميع طعمها وتخلخل بنائها مهما كان محبوكا حبكة المحترف الدرامى المتودك، وستضفى على العمل مسحة من ثقل الظل غير المستساغ. وقلة قليلة هى اوتيت الموهبتين، نذكرمثلا يوسف ادريس وميخائيل رومان والفريد فرج وسعد الدين وهبة، كلهم كتبوا القصة ثم المسرح فاتسقوا فى المجالين. ولعلنا نتذكر الكاتب الامريكى ثورونتون وايدلر، الذى برع فى كتابة الرواية والمسرحية فتألق فى كليهما تألقا منقطع النظير، حتى ليحسبهم النقاد والمؤرخون فى صف ابرز والمع كتاب الرواية الامريكية فى العصر الحديث، يكفى أن نتذكر روايتهم «الجسر» التى هزت الرأى العام كرواية وكفيلم سنيمائى، ناهيك عن رواياته الأخرى وهى كثيرة، وكذلك يحسبها النقاد والمؤرخون فى صف ابرز كتاب المسرح الامريكى الحديث، بل أنه لمن الصفوة، يكفى أن نتذكر مسرحيته الشهيرة «نفدنا بجلدنا» او مسرحية «بلدتنا» وغيرهما من مسرحياته الكثيرة ونذكر ايضا الكاتب بيترفايس، كاحد كتاب المسرح السياسى، وكتاب القصة القصيرة والرواية. والواقع اننا نستطيع ان نرسل الكثيرين فى هذا الصدد. المسير للانتباه ان هذين الكاتبين الاخيرين: ويلدر وفايس، انتهج اسلوب الدراما التسجيلية الوثائقية سواء كانت فى المسرح أم فى الرواية. وهذا ما نلاحظه ايضا على الكاتب المصرى محمد سلماوى. فمن اللافت للنظر انه مولع بالدراما التسجيلية الوثائقية. وهذا فى الواقع ليس يعتبر نقصا فى الموهبة، ولا قصورا فى الخيال الخلاء، بل على العكس أنه فن ينطلق فى الاساس من توافر هاتين الموهبتين: الحبكة والخيال الخلاق. إن الكاتب هنا لايعمد إلى تأليف حبكة يجمع فيها تفصيلات الواقع فى ايطار الرؤية الفنية التى يرتقيها، انما الكاتب - هنا - يلعب على المكشوف، هو ليس محتاجا لستر غرضه بأية حبكة متقنة أو «تيمة» غنية، إذ الواقع نفسه - بوصفه المباشر - هو الحبكة الاكبر، تعالوا ننفصل عنه، نجلس فى شرفة أعلى، ونتفرج على تدفقه التلقائى العشوائى، إلا أن الموهبة الخلاقة للكاتب تتمثل فى اختيار الزاوية التى سيجلسك فيها للتفرج، قد يكون بارعا فى التسلل بك إلى نافذة خلفية تتيح لك رؤية العرى - مثلا مثلا - أو تريك المؤامرات وهى تحاك فى وضح النهار، أو تتحايل بوسائل خفية للاستيلاء على دولاب الوثائق .. الخ .. وهناك اعمال روائية تسجيلية تحفل بمقالات مباشرة وتلخيصات لكتب عديدة، لكن الموهبة الخلاقة للكاتب تحيلها إلى عمل فنى فذ فليس معنى الرواية الوثائقية أو التسجيلية أن تكون مهمتها الكشف عن الوثيقة وتحليلها، أو فضح المستور مهما جل شأنه، انما هى لابد أن تكون رواية ممتعة قبل كل ذلك، لتحفر مكانها فى قائمة الادب الانسانى الخالد, كرواية «موبى دك» مثلا التى توازن فيها الفن مع التسجيل التوثيقى توازنا مذهلا، والافضل ان تقول ان الفن فيها قد احتوى الجانب التسجيلى رغم ضاخمته، إذ هى تنتقل من المواقف الروائية الدرامية الانسانية المتألقة فى ذراها الساخنة إلى فصول سردية تلخص مئات الكتب والموسوعات التى كتبت عن الحيتان وصيد الحيتان بأنواعها وانواعه.يسند لرواية «الخرز الملون» انها استدعت إلى الذهن هذه الامثلة الحميمة. ذلك أن رواية «الخرز الملون» هى الأخرى.. رواية حميمة. فى هذه الرواية البديعة تختفى شخصية الكاتب المسرحى محمد سلماوى، بل النزعة الحوارية المتأصلة فى أغوار المسرحيين، لا نرى لها أى اثر فى هذه الرواية على الاطلاق رغم ان الرواية حافلة بالحوار، لكنه الحوار الروائى الذى هو في فن الرواية مجرد بصمة للشخصية على بطاقتها، هو منطوق الشخصية فحسب وهذا شئ مدهش حقا خاصة أنها روايته الأولى، إلا أنه من الواضح أنه متمرس بكتابة الرواية, وأن هذه الرواية لا يمكن أن تكون هى الأولى فى حياته. وإذا كانت شخصية الكاتب المسرحى قد اختفت من هذه الرواية، فتخففت هى من اثقال خطابة درامية زاعقة كان من الممكن أن تفسد المجرى القصصى الحكائى المتسق خاصة أن طبيعة الموضوع السياسى تقود حتما إلى نبرة خطابية، فأننا فى هذه الرواية قد استفدنا من خبرة الكاتب المسرحى، التى وظفت بشكل موفق فى خدمة البناء الروائى. فككاتب مسرحى تألقت موهبته فى رسم الشخصية باستخدام ادوات الرواية لا أدوات المسرح، فهو هنا يقدم رؤية للفعل سواء اثناء حدوث الفعل أو قبل ذلك أو بعد ذلك، وليس يقدم تشخيصا للفعل فى الزمن الأتى. الشخصية المحورية هنا هى «نسرين حورى» وهى أكمل الشخصيات بناءا فنيا, واوضحها، واقربها إلى قلب القارئ وعقله ولهذه الشخصية كما لكل شخصيات الرواية اصول واقعية معروفة، وليس يحتاج القارئ إلى كبير ذكاء ليعرف الوجه الأصلى لهذه الشخصية أو تلك، الأمر الذى يفرض على القارئ دوام الاحالات إلى الأصول الواقعية لمضاهاتها بالصورة الفنية لاكتشاف الفروق المثيرة بين الأصل والصورة, خاصة أن الرواية تجسد الكثير من الملامح الخفية التى ربما لم يلحظها القارئ فيمن يفترض أنهم الأصول الواقعية لهذه الشخصيات الروائية والكاتب بالطبع يقصد إلى وضعك فى هذه الزاوية ليمكنك من رؤية ما لم تكن لاحظته من قبل فى الواقع. إن الكاتب لا يقدم لك حكاية ذات حبكة فنية تعكس حقيقة الواقع اجتماعيا وسياسيا، إنما هو يقدم الواقع نفسه كما قد حدث، فكل التواريخ مدونة بدقة، وكل المعلومات التاريخية والوقائع والاحداث واردة كحقائق إخبارية مجردة، وكل الملامح الشخصية، النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية واضحة بغير تحفظ، حتى أسماء الشخصيات اختار لها نفس الرنين، واحيانا بقصدية واضحة، بل أنه يأتى بنصوص من كتابات منشورة لهذه الشخصيات، بل ويحدد التواريخ التى شغل فيها هؤلاء مناصبهم فى الأماكن الفولانية فما أسهل أن نرجع إلى أعداد جريدة الأهرام أو مجلة المصور لنعرف من كان رئيس التحرير أو مدير التحرير فى الفترة الفولانية. كل هذا يسوقه الكاتب كحقائق مسلم بها دون افتئات أو تحريف أو مبالغة إذ أن مهمته التوثيق والتسجيل لتوضيح ما قد يكون غائبا من جوانب الصورة العامة أو جوهر الحقيقة السياسية. كل هذا يعرفه الكاتب سلفا, انما يتمثل فضله في الزوايا التى اختارها لكى يريك احداث 50 عاما من تاريخ مصر والقضية العربية، من حرب فلسطين عام 1948 إلى كامب ديفيد عام 1979 وحتى عام 1980 نهاية حكم الرئيس السادات. هذه الزاوية الفنية المحكمة حقا هى موقع نسرين حورى من الخريطة الصحفية والسياسية فى مصر طوال هذه الاعوام الحافلة بكل مذهل ومثير.نسرين حورى فتاة فلسطينية تعيسة الحظ, بنت رئيس بلدية يافا, ذات وجدان وطنى حر، مشتعل، تكتب الشعر، تنتمى إلى شباب المقاومة انتماءا عاطفيا رومانسيا يحاول أن يكون واقعيا. تحب ابراهيم زيدان، الشاب الزائف التى تخيلته حرا كريما، تقف ضد رغبة ابيها وامها فتتزوجه، وتهرب معه من يافا إلى القدس, وكان ارهاب العصابات الصهيونية قد ارتفع إلى ذروة وحشية، حتى أن جثث القتلى كانت تملئ الطرقات، والمذابح الجماعية مستمرة ليل نهار. فى روعها ذهبت إلى صديق والدها عبد القادر الحسينى لعله يملك بعض الاخبار عن ابيها وامها فى يافا . وعنده نلتقى بشابين مهمين، سكرتيره ياسر عرفات،والضابط المصرى الشهيد أحمد عبد العزيز. تقع في غرام احمد عبد العزيز,الذي يراسلها من مواقعه القتالية في حرب فلسطين, يتأجج حماسها للعمل في صفوف المقاومة. زوجها البارد لا يهتم لهذا الخبر, تحتقره,تنفر منه, تقرر الانضمام بالفعل- من غد- لصفوف المقاومة,لكن هذا الحلم لا يطلع عليه الصباح, اذ تفاجأ بأمها تقتحم عليها الدار لتأخذها حيث تم تدبير خطة لتهريب الأسرة خارج البلاد خوفا من المذابح, وثمة سيارة في انتظارها قبل طلوع النهار. صدمت نسرين,قررت رفض الهرب والبقاء مع زوجهاومع حلمها النضالي,لكنها تتلقي الصدمة الثانية حين يوافق زوجها علي تطليقها نظير مبلغ تدفعه الأم. وقد كان, وهربت الأسرة الي القاهرة في ظروف بالغة الصعوبة. وفي مصر تستكمل تعليمها وثقافتها محاولة نسيان زوجها, لولا انها تحمل في احشائها بذرته, وسرعان ما ولدت ابنها باسم, وعملت في جريدة الأهرام في القسم الخارجي,فتعاقب عليها عدد هائل من رؤساء التحرير, ابتداء من عائلة تقلا وحتي ابراهيم نافع. هذا في الجانب الصحفي, اما في الجانب السياسي فقد عاشت في ظل الملكية ثم شهدت قيام ثورة يوليو,وثورة التصحيح,وعصر الانتفتاح. وفي الجانب الاجتماعي عاشت بين عديد من الأوساط, الارستقراطية التافهة المنحلة, الاذناب والعملاء, محاسيب الثروة ودراويشها, بهلوانات ثورة التصحيح من رجال السياسة والصحافة والمجتمع..الخ. كانت متفوقة في عملها, ذات رأي حر جرئ. ما كاد ابنها يدب علي الأرض حتي بعث ابوه في طلبه ليراه, فأرسلته اليه فلم يرده, ثم ماتت امها وحلت بأبيها الشيخوخة, فأصبحت تعاني من الوحدة, وتنفر من الزيف, وتمضي حياتها في اطار محدود من اصدقائها القليلين في العمل. أحبت الصحفي المصري اسماعيل جابر,صاحب قصة الكفاح المشرف, الذي علم نفسه بنفسه, واستدعاه أنور السادات ليعاونه في تأسيس جريدة الجمهورية فافني فيها زهرة شبابه خادما لأفكاره الثورية التي يؤمن بها. وتلف الأيام فيغدر به السادات كما غدر بالكثيرين من رفاق الطريق, اذ يصدر قرار بفصله من عمله الصحفي ضمن قراره بفصل الكتاب والصحفيين الكبار في تلك المذبحة المشهورة, فيضطر شرفاء الرجال الي الهجرة هربا من بطش السادات, ويضطر اسماعيل جابر للسفر الي بيروت لتأسيس جريدة المحرر اللبنانية, تمشيا مع قناعاته الثورية والفكرية, ويكون سفره نهاية لعمر السعادة المؤقتة في حياة نسرين, حيث كتب عليها الا تراه ثانية رغم تغير الاوضاع والظروف في مصر بما يسمح له بالعودة, اذ ان الحرب الاهلية اللبنانية كانت قد اندلت ولا سبيل لايقافها, وانطلقت قذيفة فدمرت جريدة المحرر,ويموت اسماعيل شهيدا. وهي حادثة تحيلنا بالطبع الي حياة الصحفي المصري الكبير ابراهيم عامر.
وهكذا يتصدي القدر المأساوي الغاشم لنسرين فيسدد اليها الطعنات في مقتل, ويلقي عليها بالصدمة تلو الصدمة: "لماذا يؤخذ مني كل ما احب؟! اخذ مني زوجي الأول, واخذ مني وطني, واخذ مني ابني الوحيد وفلذة كبدي, اخذ مني الزعيم الذي تعلقت به كل الأمال, والان جاء الدور ليؤخذ مني اخر ما تبقي لي". وحين كلمت زوجها اسماعيل في التليفون اخر مرة ترجوه اليها, الي ارض الوطن الذي حقق انتصارا عسكريا وتغيرت ظروفه,طلب اليها انت تقدر ظروفه, فانفجرت صائحة بعصبية وانفعال: "لقد عشت حياتي كلها ضحية للظروف, فرض علي ان تكون حياتي كلها ضحية لكل ما يحدث من ظروف, اذا حدثت حرب كانت حياتي هي الثمن, واذا حدث سلم كانت حياتي هي الثمن, لقد سئمت! لم اعد اطيق هذه الحياة!"
وهي بهذا قد عبرت عن موقفها المأساوي خير تعبير: لقد حرمت من زوجها الأول, ثم حرمت من وطنها, ومن ابنها, ثم حرمت من زعامة عبدالناصر الذي كان يمثل حلما قويا شاهقا, ثم صدمت في سياسة انور السادات الذي الغي القضية العربية بجرة قلم, كما صدمت في النتائج التي حققتها حرب اكتوبر, وهالها عصر الانفتاح. فظلت حياتها تهبط من سئ الي اسوأ, وتعاني ضروب الانهيار العصبي والذهني والاجتماعي, هدها المرض القارص المؤلم فباتت سجينة مستشفي موحش في حي المقطم تعالج فيه من مرض عصبي قوي, تحت رقابة دوائية صارمة, يزورها رهط من اصدقائها القدامي, فكانت حين تفيق من غيبوبتها تبحث في اعينهم عن نتيجة طال انتظارها لها: الي اين صارت القضية العربية؟كيف انتهت؟ هل تراها قد انتهت تماما؟ وادت الي الأبد؟ لا امل اذن في استرداد وطنها, او رؤية ابنها, لا امل في هؤلاء الناس جميعا, ولا في الزمن الوغد, فالكل قد بات ينسي المشكلة العامة, الكل ينسي العموم, ينشغل بمشاكله الخاصة التي نجح عصر الانفتاح في تضخيمها علي كاهل الناس اجمعين بحيث لم يعد لديهم فرصة حتي للتزاور او للكلام.
حينئذ وصلت بها الكأبة الي ذروتها السوداء, فرفضت الدواء, وتمردت علي سرير المستشفي, وعلي سلطة الممرضة,غافلتها وهي نائمة, فهبت خارجة, ممرات المستشفي سراديب ظلماء تقودها في حلقة مفرغة الي فتحات تؤدي الي سراديب تؤدي الي ابواب مغلقة واجساد من المرضي لا حصر لها تتمدد كالقطعان في السراديب والمجرات.. صعدت السلم, علي سطح المستشفي وقفت ترقب مدينة القاهرة في سفح الصخور, وتستعرض شريط حياتها الأليمة المؤسية المؤسفة, تربطها بهذه الزبالات الشاحبة الآخذة في الانطفاء. لكم احبت هذه القاهرة البديعة العملاقة الخلاقة, التي اعطتها الحلم المشرق والأمان وتحقيق الذات, فكيف تكون القاهرة هي نفسها مصدر آلامها وعمق مأساتها وجروحها التي لا تندمل؟! وهكذا هبت رياح الخماسين القاسية الهوجاء فحملت جثتها الي الأرض مهشمة فوق الصخور.
وهذا المشهد هو أبدع مشاهد الرواية وأشدها عمقا وشفافية وشعرا, أنه قطعة ثمينة من الأدب الانساني الرفيع.
وقد اختار سلماوى لروايته شكلا جميلا ذا أبعاد تراثية ومداليل عصرية¡ شكل الأيام¡ فمفهوم الأيام بالنسبة للعرب يعنى أيام المعارك الطاحنة¡ ويسمونها أيام العرب¡ وبها يؤرخون لحياتهم¡ ويسمى اليوم فى ذاكرتهم التاريخية باسم المعركة التى حدثت فيه¡ كما جاراهم القرآن الكريم فى ذلك حين ذكر ايامهم كيوم حنين ويوم بدر.. الخ . واليوم الذى تحدث فيه معركة يظهرون فيها شجاعتهم وعزتهم وإباءهم هو وحده اليوم الذى يجب أن يبقى فى التاريخ¡ بل هو اليوم¡ وما عداه مجرد زمن عائم فى الفراغ لا ذكر له.
اختار سلماوى شكل الأيام بمفهومها التراثى القديم¡ فنحن اذن امام مجموعة من ايام العرب المعاصرة يجب ان نسجلها بالطريقة التى لا يستطيعها علم التاريخ¡ الطريقة الروائية¡ اذ أن الرواية فى حد ذاتها كجنس أدبى عريق تعتبر وثيقة على واقع ما فى زمن ما¡ وهى وثيقة لأنها عكست حقائق العصر من خلال الحياة¡ والناس فى معاناتهم واحلامهم ومآسيهم . وقد انتخبت الرواية خمس أيام مهمة فى التاريخ المصرى العربى المعاصر¡ فأرخت لها من خلال انعكاسها على نسرين بالدرجة الأولى¡ التى من خلالها.. أقصد نسرين ـ نتعرف على المحيط الذى تعيش فيه¡ وهو محيط تتمثل فيه وجوه العصر بكل سلبياته وايجابياته¡ نرى انعكاس العصر عليهم بقدر ما نرى انعكاساتهم على العصر.
أما الأيام الخمسة فهى: يوم 14 مايو سنة ¡1948 أغنية الانطلاق¡ ويحكى يوم خروجها ليلا من وطنها فلسطين لائذة بمصر.. اليوم الثانى هو يوم 23 يوليو سنة ¡1952 يوم قيام الثورة.. اليوم الثالث هو يوم 21 مارس سنة ¡1958 ويحكى يوم قيادة الوحدة العربية بين مصر وسوريا وسفر جمال عبدالناصر إلى سوريا.. اليوم الرابع هو يوم 19 ديسمبر سنة ¡1976 وهو يوم تدمير جريدة المحرر وموت أعز وآخر انسان لها فى الوجود حبيبها اسماعيل جابر.. اليوم الخامس هو يوم 20 ابريل ¡1981 الخروج من اللعبة. والأيام تتعاشق فى بعضها تعاشق الأحداث بالشخصيات والشخصيات بالواقع.
نستطيع القول اننا امام دراما سياسية اجتماعية تسجيلية وثائقية على درجة كبيرة من النضج والخبث الفنى المتمثل فى اختيار الفقرات النصية والخطابات الشخصية والقصائد الشعرية. فالخطابات منتقاة من اصل واقعى¡ وكذلك الاشعار. ولقد حرص الكاتب على التزام الدقة والأمانة والموضوعية فى تسجيل حقائق التاريخ وايرادها فى سياقها الطبيعى تاركا اياها تغطى مداليلها السياسية من تلقاء ذاتها دونما تعليق يكشف عن الميول الشخصية للكاتب رغم ان موقفه السياسى واضح منذ البداية الا أنه بشئ يسير من البرود العقلى استطاع ان يشى بالمواجهة بين الحقائق وبعضها دون قصد فنى مكشوف. فلم تترك الرواية حدثا مهما فى تاريخ تلك الفترة الا واضاءته بلفتات فنية ذكية موحية. ورغم الطابع الوثائقى وبساطة اللغة فان اللمسة الشعرية حية¡ بؤرتها فى فكرة العنوان¡ فالخرز الملون كما كتبت عنه نسرين فى احدى مقالاتها هو خرز الزينة الرخيص الملضوم فى أفرع وعقود وغوايش كانت اوروبا تضحك به على الشعوب الافريقية كلعب مبهرة ترضى حاجتهم إلى التزين¡ وتأخذ فى مقابله خيرات الأرض بما تحويه من مواد نفيسة.
هذا الخرز الملون¡ له اليوم معادل عصرى¡ هو هذه المنتجات التكنولوجيا المبهرة¡ والتى تتدفق علينا من اوروبا فندفع فى اقتنائها كل مدخراتنا¡ بل ونفرط¡ أو على الأقل نستعد لأن نفرط¡ فى الكثير من قيمنا الوطنية واخلاقيتنا القومية. أن اوروبا التى اخذت قطننا وبترولنا ومعادننا ودماء ابنائنا واعطتنا بدلا منها اجهزة نسئ استخدامها¡ سوف تظل تستعبدنا وتسلمنا لقمة سائغة لحليفتنا المدللة¡ طالما نظل نحن مبهورين بخرزها الملون.
|